كيف للسلام في عالمنا المدجج بالقتل والخوف والدمار أن يسود؟ هذا السؤال كان موضوع السمبوزيوم الذي احتضنته جمعية النحاتين في السويد في ذكرى ميلادها الخمسين هذا العام، وشاركتُ أنا فيه. يقول الفيلسوف كانط إن أي عملية في مسار السلام تجنّبنا حروباً أخرى. السلام عملية بناء طويلة مبنيّة على الثقة فكيف لهذه الثقة أن تكون في ظل ما يجري اليوم في منطقتنا وفي لبنان تحديداً؟ قدمتُ خلال السمبوزيوم مختصراً لكل من الفنانين والفنانات الذين تناولوا هذا الموضوع في لبنان. أذكر: سمير خداج، جيهان باشو، سمر مغربل، نديم كرم، ريتا عون، منى حاطوم وعبد الرحمن قطناني. وعرضتُ أيضاً فيلماً وثائقياً كان أنجزه الراحل مجيد قصير للتلفزيون الألماني WDR عام 1993 في كاتدرائية القديس جاورجيوس الأرثوذكسية القريبة من ساحة الشهداء في نهاية الحرب الأهلية اللبنانية.يُظهر هذا الفيلم منحوتات من الطين للفنان عماد عيسى، وملصقات من جرائد علقتها على جدران الكاتدرائية، في بحث عن الحياة في قلب الموت. كان السلام يومذاك وهمياً ولا يزال. استدعت اهتمامي في السمبوزيوم ثلاثة أعمال نحتية تطرح هذا الموضوع لما تحمل من خفايا: واحدة محلية واثنتان من الخارج.الأولى هي نصب الشهداء للنحات اللبناني الأول يوسف الحويك (1883-1962) الذي درس على أيدي النحاتين الفرنسيين العالميين هنري بوردال وأوغست رودان وكان مقرباً من الكاتب والمفكر والرسام اللبناني العالمي جبران خليل جبران. توسطت هذه المنحوتة ساحة البرج في بيروت طوال 35 عاماً وأعطت اسمها للساحة: ساحة الشهداء. وهي جسّدت مسألة التعايش بين أفراد المجتمع اللبناني من خلال امرأتين ترمزان الى المسيحية والإسلام، الواحدة قبالة الأخرى، وأذرعهما ممدودة لتأدية القسم لأبنائهما الشهداء أمام مرمدة مشتركة، هي إناء يُستخدم في طقوس التشييع عند القدامى، يُجمع فيه رماد الموتى بعد حرقهم. إن الشهيد شهيد مهما كانت ديانته. وقد طرح يوسف الحويك من خلال هذه المنحوتة مسألة السلام بين الإسلام والمسيحية إذا تنازعا، لأن الموت لا يفرّق بين أبنائهما، مشدداً على أهمية الاتحاد في وجه المصاعب، وهو الذي قاوم في ما بعد الانتداب الفرنسي. هكذا وُلدت أول منحوتة كأداة للسلام في تاريخ الفن اللبناني لتعكس تركيبة مجتمع مختلط وتشهد لتضحية الشهداء من الطرفين. لكن هذه المنحوتة أزيلت للأسف من وسط العاصمة بعد وفاته واستُبدلت بعمل للنحات الإيطالي ريناتو مارينو مزكوراتي (1907-1969) الذي ينتمي إلى حداثة المدرسة الرومانية. وظهرت المنحوتة مجدداً بعد حرب 1975 مبتورة من الأسفل وطُمس الوجهان بالزفت الأسود. ثمّ تولى متحف سرسق عملية ترميمها، ولكن من دون ذكر اسم المرمم/ة، عارضاً إيّاها على طرف مدخل المتحف. أما المنحوتة الثانية فهي للرسامة التعبيرية كتيه كولفيتس (1867-1945) التي تميزت بفن الغرافيك الألماني. وقد ذكرت الفنانة هذه المنحوتة في يومياتها، وكتبت: "أنا أعمل على منحوتة صغيرة أصبحت نوعاً من الـpièta" إكراماً لمشاركة ابنها الأصغر في الحرب العالمية الأولى عام 1914 الذي لقي مصرعه فيها. المنحوتة تجسّد أمّاً تفترش الأرض وتضمّ ابنها الميت وقد أغمضت عينيها لكي لا ترى موته. يدها تلمس يده الهامدة لتتأكّد من رحيله الفعلي، فيما وضعت يدها الأخرى على وجهها، كتعبير عن شعورها بالمرارة والعجز، وجعلت رأس ابنها الشهيد مرتفعاً نحو السماء. موت الابن هو موت الأم أيضاً. وكم يعجز قاموس الإنسانية عن مقاربة هذه الواقعة بكلمة. النسخة الأصلية المصبوبة بالبرونز موجودة في مدينة كولون في ألمانيا. أما النسخة طبق الأصل فهي بحجم أربعة أضعاف قياساً للأصل، منصوبة اليوم في موضع النصب التذكاري لضحايا الحرب في برلين بجمهورية ألمانيا الاتحادية، وهي للنحات والمرمم الألماني المشهور هرلد هاكي (1924-2004) نفذها بين عامي 1937-1938. لاحظتُ لدى زيارتي الغرفة الواسعة الأرجاء للمبنى الجديد في برلين، أن المكان اندمج مع المنحوتة ليتفاعلا معاً في صمت مهيب. ثمة مساحة شاسعة تحت فتحة مستديرة الشكل كالهالة تطلّ على السماء في علاقة مباشرة مع المطر، فإذا هطل تحوّلت الأرض إلى بحر من دموع، وإذا تناثرت الثلوج شعشعت النجوم حول المنحوتة وأحيتها. درست كيته كولفيتس النحت عام 1904 في أكاديمية جوليان في باريس لتنكب على النحت لاحقاً خلال عامي 1909 و1910 وهي تُعدّ أوّل فنانة امرأة في ألمانيا.المنحوتة تكشف حقائق الحروب وهمجيتها وتحضّ العالم على مجابهتها ومواجهة السلطات والحكام العابثين بشعور الأم وما يكتنفها من ألم وعذاب لا يوصفان عند فقدان أحد أولادها. إنّ مقاومة الحرب شكلت هاجسها الأول والأخير للفنانة التي فقدت أولادها الثلاثة على الجبهة.أما العمل الفني الثالث فقد فوجئت بوجود نسخة عنه في لبنان، بعنوان "لا للعنف"، وهو للرسام والنحات السويدي كارل فريدريك رويترزفارت (1