"لما كنت ببيتي" عبارة تتكرر على ألسنة مقيمين في "دار الكرامة لرعاية المسنين" في دمشق، كلما عادوا بذاكرتهم إلى حياتهم السابقة. لا يحتاجون إلى شرح طويل ليرسموا المسافة التي تفصل بين ما كانوا عليه وما صاروا إليه؛ يكفي أن يستعيدوا البيت، والأهل، والأيام التي ظنوا أنها ستبقى لهم. زيارة واحدة إلى دار للمسنين قد تدفع الزائر إلى إعادة التفكير في معنى البيت والعائلة والأمان. فليس كل من دخل هذه الدور تخلى عن منزله باختياره، وليس كل من وجد فيها مأوى وصل إليه بعد أن استنفد سنوات عمره. بعضهم خسر بيته في الحرب، وبعضهم فقد شريك حياته، وآخرون وجدوا أنفسهم وحيدين بعدما ابتعد عنهم أقرب الناس إليهم. في سوريا، زادت الحرب والدمار والفقر وفقدان المعيل من قسوة هذه الحكايات. وبين جدران "دار الكرامة"، تتقاطع تجارب نساء ورجال حمل كل منهم ماضيه معه، وحاول أن يجد في المكان الجديد ما يعوّضه، ولو جزئياً، ما خسره. تعيش مريم ميمونة في "دار الكرامة" بعدما فقدت زوجها ودمّر منزلها في مخيم فلسطين، فيما سافرت ابنتها إلى مصر مع زوجها. تتذكر المدة التي سبقت وصولها إلى الدار بوصفها مرحلة قاسية فقدت خلالها الرغبة في الحياة. تقول لـ"النهار": "لما قدمت لهون، فقدت زوجي ودمّر بيتي بمخيم فلسطين، وحياتي أصبحت عدم. كرهت الدنيا، كرهت الحياة، ما عدت أعرف النهار من الليل. بس شو عايشة؟ أكلي شقفة خبزة، وكنت جلدة وعظمة". لم يكن انتقالها إلى الدار سهلاً. كانت لا تزال متعلقة ببيتها وأغراضها وذكرياتها مع زوجها، ولم تكن مستعدة لفكرة أن تقضي ما تبقى من عمرها بعيداً عن المكان الذي عرفته منزلاً لها. تروي أن شقيقها أخبرها أن زوجته لا ترغب في وجودها في المنزل، وأنها قد تزعج أهل البيت. وحين احتجّت بأن بيتها وزوجها قد رحلا، جاءها الرد، بحسب روايتها: (ماحدا راح غير بيتك وزوجك). أخبروها أنهم سيأخذونها إلى مكان تتوافر فيه احتياجاتها الأساسية، من الطعام والشراب إلى النوم والراحة، وأنها تستطيع العودة إذا لم يعجبها المكان. تقول مريم إنها حزنت في البداية، لكنها بدأت تتأقلم تدريجاً، وشاركت في النشاطات، ووجدت ما يشغل وقتها ويساعدها على استعادة جزء من توازنها النفسي. وتضيف: "جيت لهون وعلقت، وقعدت هون، ولحالي صرت منيحة واندَمَجت، وحياتي سعيدة جداً داخل الدار".ولم تنقطع صلتها بالماضي تماماً؛ فما زالت الأغاني تفتح لها نافذة على أيامها السابقة، ولاسيما منها أغاني عبد الحليم حافظ. تقول: "بحب أتصبّح بعبد الحليم. من وقت ما كنت ببيتي كنت حب أتصبّح فيه، بنبسط وقت أسمع صوته". بين بيت دمّره القصف وزوج غيّبه الموت وعائلة لم تجد لها مكاناً لديها، تحاول مريم أن تصنع لنفسها حياة جديدة. لا تقول إنها نسيت ما حدث، لكنها وجدت في الدار مساحة استطاعت فيها أن تستعيد شيئاً من رغبتها في العيش. مقيمون داخل دار الكرامة (النهار- مروة البرغش) حنينٌ إلى بيروت وفيروز وصباحات "النهار" تحمل تمام زايد حكاية مختلفة. فهي فلسطينية أردنية حصلت على الجنسية السورية، وعاشت سنوات في لبنان قبل أن تنتهي إقامتها هناك من دون أن تتمكن من تجديدها، بحسب روايتها. تستعيد أيامها في بيروت بحنين واضح، وتقول إنها كانت تقرأ جريدة "النهار" يومياً، إلى جانب مجلتي "الموعد" و"الشبكة". وتتذكر مرة ظهرت فيها في "الشبكة" إلى جانب امرأة سعودية، وترك للجمهور تخمين ما إذا كانتا توأمين أم لا؟ لكن أكثر ما تشتاق إليه هو بيروت والأشخاص الذين عاشت بينهم، وفي مقدمهم السيدة فيروز، التي تقول إنها كانت تعمل لديها وتزورها ثلاث مرات أسبوعياً. تستعيد تلك الزيارات بمحبة: "كنت روح لفيروز بالأسبوع ثلاث مرات. ولا أطيب من هيك، بتلاقيها هادية ورايقة، ما أحلاها. لو بتسمعني فيروز، بقلا: مشتاقة إلك كتير"، مضيفة أنها تعزّيها بوفاة زياد الرحباني. أما جريدة "النهار"، فلها مكانة خاصة في ذاكرتها، إذ كانت تنتظرها كل صباح لمتابعة آخر الأخبار. وتختصر أيامها اللبنانية بقولها: "أيامي أحلى أيام ببيروت". في "دار الكرامة"، وجدت تمام صديقات تشاركهن يومياتها، وتقول إن إقامتها مريحة، وإنها تحرص على عدم التدخل في شؤون الآخرين. وتستعيد المثل الذي تتبعه في تعاملها مع من حولها: "إلعب وحدك تجي راضي". وتضيف أن العاملين في الدار أصبحوا عائلتها، بعدما غابت عنها العائلة التي عرفتها في مراحل سابقة من حياتها: "الممرضة والعاملة والمشرفون هم عيلتي، لأني مالي حدا، والعاملة هي أم إلنا، والحمد لله على كل شي". كانت تمام متزوجة لمدة 17 عاماً، لكنها لم تُرزق بأطفال. واليوم، تحاول أن تجد في الصداقات التي بنتها داخل الدار ما يخفف وطأة الوحدة، من دون أن تتخلى عن حنينها إلى مدينة لا تزال حاضرة في تفاصيل ذاكرتها. مسنون داخل دار الكرامة (النهار- مروة البرغش) تروي نورا جمعة قصتها بعبارات تختلط فيها الحسر