لطالما قدّم حزب "القوات اللبنانية" نفسه في موقع المعترض على إدخال الأطفال إلى ساحات التعبئة الحزبية والعقائدية، موجّهًا، عبر رئيسه سمير جعجع ومنابره الإعلامية، انتقادات حادّة إلى الأنشطة التربوية والكشفية المرتبطة ببيئة حزب الله، ولا سيما "مدارس المهدي" وكشافة "المهدي". لكن مشهدًا متداولًا اليوم يعيد هذا الخطاب إلى أصحابه، ويضعهم أمام اختبار المبدأ نفسه الذي رفعوه في مواجهة خصومهم. فقد انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي فيديو يظهر مجموعة من الأطفال خلال نشاط، وهم يؤدّون حركات ويرددون شعارات على وقع أناشيد مرتبطة بـ"القوات اللبنانية"، في مشهد أثار تساؤلات حول طبيعة النشاط وحدود حضور السياسة والحزبية في الفعاليات التي يشارك فيها أطفال في سن مبكرة. وبمعزل عن الجهة المنظمة للنشاط وملابساته، التي لم تتضح بالكامل، فإن الصور المتداولة تطرح إشكالية تتجاوز الفيديو نفسه، وتتصل بالفارق بين التربية السياسية والتعبئة الحزبية، وبين تعريف الطفل بالشأن العام وزرع هوية حزبية جاهزة فيه قبل أن تتكوّن لديه القدرة على الاختيار والنقد. المفارقة أن "القوات" لم تكن يومًا محايدة في هذا النقاش. فقد دأبت على اتهام خصومها باستثمار المدارس والكشافة في بناء ولاء عقائدي مبكر، واعتبرت أن ربط الأطفال بالشعارات والأناشيد والرموز الحزبية يشكّل استخدامًا غير مقبول للعمل التربوي. كما شددت مرارًا على أن النشاط الكشفي يجب أن يبقى بعيدًا من التجاذبات السياسية، وأن المدرسة ليست مساحة لتكوين جمهور حزبي. غير أن المبدأ يفقد قيمته عندما يُستخدم سلاحًا في مواجهة الخصم، ثم يُعلّق عند الاقتراب من البيئة الحزبية التي ترفعه. فإذا كان إدخال الأطفال في أجواء سياسية منظّمة أمرًا مرفوضًا لدى "القوات" عندما يكون الحزب المعني هو حزب الله، فكيف يمكن تبرير المشهد نفسه عندما تُرفع فيه شعارات "القوات" وتُردّد أناشيدها؟ أمام الفيديو المتداول، تجد "القوات اللبنانية" نفسها أمام مرآة خطابها. فإما أن يكون رفض توظيف الأطفال سياسيًا موقفًا مبدئيًا يسري على الجميع، وإما أن يتحول إلى مادة انتقائية تُستخدم ضد الخصوم وتسقط عند أبواب الحلفاء والأنصار.