بدأ المشروع بسؤال عن الوجود البرتغالي في الخليج، وامتدّ إلى 37 عاماً من جمع الوثائق وترجمتها وتحقيقها. وفي افتتاح معرض الشارقة الدولي للكتاب، وقّع عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة الدكتور سلطان القاسمي، موسوعته "البرتغاليون في المحيط الهندي.. أحداث في حوليات من 1497م إلى 1750م"، واضعاً بين أيدي الباحثين حصيلة رحلة طويلة في الأرشيف. يتألف الإصدار من 61 مجلداً باللغتين العربية والإنكليزية، بينها 60 مجلداً للأحداث المرتّبة في حوليات، ومجلد أخير يجمع التفسيرات والتعريفات والقوائم التي تساعد على قراءة المادة التاريخية. وفي مقابلة مع تلفزيون الشارقة، حاوره فيها محمد حسن خلف، مدير عام هيئة الشارقة للإذاعة والتلفزيون، استعاد القاسمي مراحل الإنجاز، موضحاً أن قيمة هذه الوثائق تتجاوز تسجيل الحضور البرتغالي إلى إضاءة تاريخ المنطقة ومجتمعاتها وتجارتها وصراعاتها. بدأت فكرة المشروع خلال بحث حاكم الشارقة في وثائق مكتب الهند في بريطانيا، حين ناقش مع أحد المسؤولين رغبته في معرفة تفاصيل الوجود البرتغالي في الخليج. واجهته صعوبة اللغة والوصول إلى الوثائق، قبل أن يتعرّف إلى مجموعة سبق نقلها من البرتغالية إلى الإنكليزية لخدمة أبحاث تتصل بالتاريخ البريطاني في الهند. لكن اهتمامه انطلق من سؤال آخر: ما الذي تقوله تلك الوثائق عن بلاده والمنطقة؟ عام 1989، بدأ المشروع، واستعان بباحثة كانت تستعدّ للتقاعد، وأُنشئ مكتب بحثي في بريطانيا. وتولّى الفريق جمع وثائق من البرتغال وغوا وإسبانيا ومصادر أخرى، فيما احتاجت النصوص المكتوبة بالبرتغالية القديمة إلى مترجمين ذوي خبرة متخصّصة. واستغرقت مرحلة الجمع والترجمة الأولى ثماني سنوات، قبل أن يتسلّم القاسمي أول ملف عام 1997. ومن هناك، بدأت مراجعة المادة وتدقيق ألفاظها وأسمائها، بالتعاون مع القائمين على المشروع. كشف حاكم الشارقة أن تمويل البحث ارتبط بقرار شخصي اتخذه في بداياته، إذ خصّص عائدات بيع أسهم كان يمتلكها في شركة إسمنت الشارقة لتغطية نفقات المشروع، بعدما ارتفعت قيمتها. وشملت النفقات عمل الباحثين والمترجمين وإدارة المكتب وتجميع المادة، في مسار استمرّ سنوات قبل اكتمال الملفات. ورافقت نهاية هذه المرحلة واقعة إنسانية استعادها في الحوار: ففي عام 2006، تلقّى خبر إنجاز آخر مجلد من الباحثة المسؤولة عن المكتب، ثم علم بوفاتها حين حاول التواصل معها بعد اطّلاعه عليه. وبعد تسلّم الوثائق وإغلاق المكتب، استمرّ العمل في الدراسة والتحقيق والترتيب واستكمال ما ظهر من فجوات في المادة التاريخية. وهكذا، كان انتهاء جمع الملفات بداية مرحلة أخرى من البحث. من انطلاق رحلة دا غاما إلى تحوّل موازين القوى أوضح القاسمي أن اختيار عام 1497 بدايةً للموسوعة يرتبط بانطلاق رحلة أسطول فاسكو دا غاما، وليس بوصوله إلى الهند. ويتتبّع العمل الأحداث حتى عام 1750، عبر مساحة تشمل الخليج وهرمز وسواحل شرق أفريقيا والهند ومناطق أخرى من آسيا. وتتيح الوثائق متابعة التنافس على الموانئ وطرق التجارة، والمواجهات مع القوى المحلية، ثم الصراعات مع قوى أوروبية وإقليمية أخرى. ولا يعني انتهاء الحوليات عند عام 1750 زوال الوجود البرتغالي كلياً، بل يحدّد الفترة التي يتناولها الإصدار. ولمعالجة أحداث لم توضّحها المراسلات والتقارير المتاحة بما يكفي، استعان القاسمي بمؤلفات تاريخية تعود إلى المرحلة، مبيّناً أن بعض هذه الكتابات يكتسب قيمة الشهادة التي تساعد على استكمال تسلسل الوقائع وفهم سياقاتها. في شرح أسباب استغراق المشروع هذه المدة، توقّف القاسمي عند حجم التدقيق الذي تتطلّبه الوثيقة الواحدة. فالنقل من لغة إلى أخرى لا يحسم بالضرورة هوية مكان أو شخص أو وظيفة وردت بصيغة غير مألوفة. وتحدّث عن الاستفادة من معرفته بالعربية والفارسية والهندية في مراجعة الأسماء والمصطلحات التي دوّنها البرتغاليون وفق نطقهم وطرائق كتابتهم. كما شرح منهجه في التمييز بين النص الأصلي والتوضيح المضاف إليه. فإذا ورد اسم "جلفار"، مثلاً، يُحفظ كما جاء في الوثيقة، ويُضاف ما يعرّف القارئ بالمكان بين قوسين، فيما تُنقل الشروح الأطول إلى الحواشي مع توضيح أنها من عمل المحقّق. ويتيح هذا الفصل للقارئ معرفة حدود المصدر وحدود التدخل التفسيري، ويمنع انتقال الإضافات إلى أبحاث لاحقة باعتبارها جزءاً من الوثيقة. خُصّص المجلد الأخير لجمع التفسيرات والتعريفات، تجنّباً لتكرارها في المجلدات المتعاقبة، وتسهيلاً للعودة إليها. ويضمّ شروحاً للأماكن والمصطلحات والأعلام، وقوائم للملوك ونوابهم ومدد حكمهم، ومعلومات عن القلاع والمواقع. وقد قدّمه القاسمي بوصفه مفتاحاً للموسوعة، يساعد الباحث على فهم ما يرد فيها والتمييز بين الأسماء المتشابهة. حاكم الشارقة يوقع النسخة الاولى فالتشابه بين اسمَي مكانين قد يقود إلى قراءة خاطئ