في بلدٍ تتآكل فيه القدرة الشرائية، وتتسابق فيه الأسعار على ابتلاع ما تبقّى من رواتب اللبنانيين، يعود ملف الحد الأدنى للأجور إلى واجهة المواجهة الاجتماعية، وسط مطالب بتصحيح الأجور بما يضمن للعامل الحد الأدنى من العيش الكريم. لكن الطريق إلى زيادة الرواتب لا يبدو معبّداً، في ظل اقتصاد يترنّح وقطاعات إنتاجية تكافح للبقاء، ومؤسسات تخشى أن تتحوّل أي زيادة غير مدروسة إلى عبء يدفعها نحو الإقفال. وبين حق العمال في أجر عادل وقدرة المؤسسات على تحمّل الأعباء، يبرز السؤال هل بات رفع الحد الأدنى للأجور إلى 1400 دولار ضرورة لا يمكن تأجيلها، أم أن الظروف الاقتصادية الراهنة تفرض التريّث قبل اتخاذ القرار؟ وفي السياق، أكد رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر في حديث لـ"LebanonOn" أن الاتحاد لم يتراجع عن موقفه بشأن تصحيح الأجور، مشدداً على أن المطالبة برفع الحد الأدنى ليست جديدة، إذ سبق للاتحاد أن طرح رقماً يبلغ 1200 دولار قبل عدة أشهر فيما تشير دراساته وإحصاءاته الحالية إلى أن الحد الأدنى العادل يجب أن يصل إلى 1400 دولار. وأوضح الأسمر أن هذا الرقم يستند إلى متطلبات العيش اللائق التي لا تقتصر على الراتب وحده، بل تشمل بدل السكن والسلة الغذائية والنقل والاتصالات والتعليم والصحة والطبابة والاستشفاء، لافتاً إلى أن المسألة لم تعد محصورة بتحديد الرقم المطلوب، بل بكيفية تطبيقه من دون التسبب باضطرابات اقتصادية إضافية. وأشار إلى أن الاتحاد يدرك حجم الأزمة التي تمر بها البلاد على المستويات الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، في ظل تراجع غالبية القطاعات الإنتاجية موضحاً أن القطاع الصناعي شهد تراجعاً كبيراً، إذ انخفضت قيمة الصادرات من أكثر من أربعة مليارات دولار إلى نحو مليارين و700 مليون دولار. ولفت إلى أن القطاع السياحي والفندقي يعانيان بدورهما من شبه توقف مع تراجع الإشغال الفندقي والتحويلات الوافدة من الخارج ولا سيما من دول الخليج وأوروبا فيما يواجه القطاع الزراعي صعوبات كبيرة خصوصاً في الجنوب، حيث توقفت قطاعات وأعمال واسعة من صيدا وصولاً إلى الحدود. وأكد الأسمر أن هذه المعطيات تفرض المواءمة بين المطالب العمالية والقدرة الفعلية على تنفيذها، مشيراً إلى أن الحركة الاقتصادية تتركز حالياً في بيروت وجبل لبنان، فيما تشهد مناطق الشمال والبقاع تراجعاً حاداً في الأعمال، الأمر الذي يجعل طرح أي رقم من دون دراسة إمكان تطبيقه خطوة قد لا تحقق الغاية المرجوة. وضرب مثالاً على ذلك، محذراً من أن إقرار حد أدنى للأجور بقيمة 1400 دولار، من دون تأمين قدرة المؤسسات على الدفع، قد يؤدي إلى إقفال عدد كبير منها، ولا سيما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تشكّل نحو 60 في المئة من المؤسسات الاقتصادية في لبنان، وتوظّف ما بين أربعة وخمسة موظفين وصولاً إلى نحو عشرين موظفاً. وأضاف أن الاتحاد يتلقى يومياً شكاوى من مؤسسات لا تلتزم حتى بالزيادات والبدلات القائمة بما فيها التعويضات العائلية والمنح المدرسية وبدل النقل، ما يعكس حجم الصعوبات التي تواجه تطبيق القرارات المتعلقة بالأجور. وشدد على أن الاتحاد لم يتراجع عن مطلب التصحيح العادل، مؤكداً أن ما يحصل عليه العامل اليوم سواء في القطاع العام أو الخاص لا يكفي في ظل الغلاء المستشري وغياب الرقابة وتفلّت الأسعار، وأن الاتحاد لم يتنازل يوماً عن حقوق العمال لكنه يتعامل مع المرحلة الحالية بمسؤولية تحول دون زيادة الأعباء على القطاعات الاقتصادية. وفي سياق متصل، أشار الأسمر إلى أن نحو 15 في المئة فقط من اليد العاملة اللبنانية تتقاضى الحد الأدنى للأجور، فيما تتقاضى النسبة المتبقية أجوراً أعلى منه، كاشفاً عن مفارقة تتعلق بالتصريح عن الأجور لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إذ إن نحو 60 في المئة من العمال يُصرّح عنهم على أساس الحد الأدنى، بهدف التهرّب من دفع الاشتراكات المستحقة. وعن الخطوات التصعيدية، أكد الأسمر أن الاتحاد العمالي العام لا يتجه في المرحلة الراهنة إلى اللجوء إلى التصعيد، رغم أنه كان قد لوّح بخطوات احتجاجية وحدّد موعداً للإضراب، قبل أن يتخذ قراراً بمنح المفاوضات مزيداً من الوقت، في ضوء الحصول على بعض ملحقات الأجر والوعود بالتوصل إلى حد أدنى جديد قريباً. وأوضح أن المفاوضات مع الهيئات الاقتصادية لا تزال مستمرة، معرباً عن أمله في بلوغ نتيجة خلال الشهر الحالي، ولفت إلى أن أي حد أدنى جديد، مهما بلغت قيمته، يبقى أفضل من استمرار الوضع الحالي، لما يمكن أن يضخه من أموال إضافية في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، من خلال الاشتراكات وتعويضات نهاية الخدمة. ورداً على الاتهامات التي تطال الاتحاد بشأن خضوعه لضغوط سياسية، أكد الأسمر أن الاتحاد أثبت عبر مختلف مراحله استقلالية قراره وعدم خضوعه لأي ضغط سياسي، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطل