كلّما طُرحت خطة جديدة لإصلاح الإدارة العامة، تتصدّر النقاش أهداف مألوفة: الرقمنة، والتحديث، ومكافحة الفساد، وتحسين الخدمات. تُرسَم الخطط، وتُعلَن التوجّهات، وتُحدَّد الوجهات، لكنّ الواقع كثيراً ما يبقى على حاله. كأنّ الحافلة جاهزة للانطلاق، لكنّها لا تغادر مكانها.ربّما لأنّ السؤال الذي ينبغي أن يسبق كلّ هذه الخطوات لا يحظى بما يكفي من الاهتمام: مَن هم الأشخاص الذين سيقودون هذه الرحلة؟ وهل يجلس كلّ منهم في المكان الذي يستطيع أن يقدّم فيه أفضل ما لديه؟في كتابه "من جيّد إلى عظيم" (Good to Great)، يعرض الباحث الأميركي جيم كولينز خلاصة دراسة تناولت مؤسسات نجحت في الانتقال من الأداء العادي إلى مستويات استثنائية. ومن أبرز ما خلص إليه أنّ تلك المؤسسات لم تبدأ بتحديد وجهتها ثم البحث عمّن ينفّذ خططها، بل اهتمّت أولاً باختيار الأشخاص المناسبين. ولتوضيح الفكرة، استعان كولينز بصورة الحافلة؛ فقبل التفكير في الطريق، ينبغي التأكّد من صعود الأشخاص المناسبين، ومغادرة غير المناسبين، وجلوس كلّ شخص في المقعد الذي يتلاءم مع قدراته. عندها فقط يصبح اختيار الوجهة والخطة أكثر واقعية.قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى بسيطة، لكنّها تطرح مسألة جوهرية في الإدارة: لا تكفي جودة الخطط إذا لم تتوافر الكفاءات القادرة على تنفيذها. فالأشخاص المناسبون في المواقع المناسبة يمنحون المؤسسة قدرة أكبر على التعامل مع المتغيّرات وتعديل مسارها عند الحاجة. أمّا وضع الموظف في موقع لا يتلاءم مع مهاراته، فيُهدر طاقته ويحدّ من مساهمته، مهما كانت الخطة واضحة أو الموارد المتاحة متقدّمة.وإذا استعرنا هذه الصورة ونظرنا إلى الإدارة العامة اللبنانية، فسنجد أنّ الحافلة تحمل ركّاباً كثيرين، لكنّ توزيعهم على المقاعد لا يعكس بالضرورة ما يمتلكونه من خبرات وقدرات.هناك مَن وصل إلى مقعده بفعل الأقدمية أو التوازنات أو اعتبارات لا ترتبط دائماً بالكفاءة. موظف يمتلك قدرة على التحليل يجد نفسه في موقع إداري روتيني، وآخر يجيد التواصل مع الناس يقضي يومه بين معاملات وأوراق، وثالث لديه مؤهلات قيادية لا تتاح له فرصة تحمّل المسؤولية. وفي المقابل، تبقى مواقع أساسية شاغرة، فيما تتراكم المهام على موظفين يحاولون تغطية أكثر من وظيفة في الوقت نفسه، في ظلّ تجميد التوظيف وهجرة عدد كبير من أصحاب الخبرات.هذه الصورة لا تعني بالضرورة غياب الكفاءات عن القطاع العام. ففي كثير من الأحيان، تكون الكفاءات موجودة بالفعل، لكنّها لا تعمل في المواقع التي تسمح لها بإظهار قدراتها. وهنا يصبح الخلل أعمق من نقص الموظفين أو محدودية الموارد، لأنّ المؤسسة لا تستفيد من الطاقات المتاحة لديها بالقدر المطلوب.أمّا الخطوة الثانية في تصوّر كولينز، أي مغادرة الأشخاص غير المناسبين الحافلة، فتكتسب في الإدارة العامة اللبنانية أبعاداً مختلفة. فالوظيفة العامة ترتبط بضمانات قانونية واستقرار وظيفي لا يمكن تجاهلهما أو التعامل معهما بمنطق المؤسسات الخاصة. لكنّ صعوبة الاستغناء عن الموظف لا تعني استحالة تحسين أدائه أو إعادة النظر في موقعه. بل تجعل حسن الاختيار عند التعيين، ودقّة توزيع المسؤوليات، أكثر إلحاحاً.وهنا تبرز فجوة أساسية في إدارة الموارد البشرية. فغالباً ما يجري التعامل مع الموظف انطلاقاً من المسمّى الوظيفي أو الموقع المتاح، لا من فهم حقيقي لما يستطيع القيام به. أين تكمن نقاط قوته؟ ما المهارات التي اكتسبها خلال سنوات عمله؟ أيّ المهام ينجزها بكفاءة، وأيّها تستنزف وقته وجهده من دون نتائج ملموسة؟ أسئلة من هذا النوع نادراً ما تجد مكانها في القرارات الإدارية اليومية، في ظلّ غياب توصيف وظيفي فعّال وآليات تقييم تساعد على معرفة قدرات الموظفين وتوجيهها.والأمر لا يتعلّق بالكفاءة المهنية وحدها. فلكلّ موظف طريقة في العمل، ومهارات شخصية، ومجالات يستطيع أن يبدع فيها أكثر من غيرها. قد يكون أحدهم دقيقاً في التفاصيل، فيما يتميّز آخر بقدرته على حلّ المشكلات أو التعامل مع المراجعين. تجاهل هذه الفوارق يضع الجميع في قوالب متشابهة، ويحرم الإدارة من الاستفادة من تنوّع قدرات فريقها.ومع مرور الوقت، يتعامل الموظفون مع هذا الواقع كلٌّ بطريقته. هناك مَن يحاول التكيّف، فيبحث عن مهام إضافية تتناسب مع خبرته أو يبتكر لنفسه مساحة صغيرة يمارس فيها ما يجيده. وهناك مَن يفقد الحافز تدريجياً، فيكتفي بالحدّ الأدنى من المطلوب منه. وقد يشعر آخرون بالاستياء وهم يرون زملاءهم في مواقع لا تتناسب مع مؤهلاتهم، أو يجدون أنفسهم محرومين من فرص تتاح لغيرهم. وهكذا لا يبقى أثر سوء توزيع الأدوار محصوراً في أداء فرد واحد، بل يمتدّ إلى أجواء العمل والعلاقات داخل المؤسسة.وفي خضمّ ذلك، تنشغل القيادة الإدارية أحياناً بتغيير الخطط والهياكل التنظيمية وإطلاق مبادرات إصلاح جديدة، من دون التوقّف بما يكفي عند وا