الوضع الاقتصادي في إيران ليس في أحسن أحواله، وهذا أمر لا يحتاج إلى كثير من الأدلة. فسنوات العقوبات والضغوطات المالية وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار تركت الاقتصاد الإيراني أمام تحديات كبيرة، فيما جاءت الحرب الأميركية–الإسرائيلية لتضيف أعباء جديدة إلى اقتصاد يعاني أصلاً من اختلالات عميقة. لكن المفارقة أن كلفة المواجهة لا تبدو محصورة في الجانب الإيراني. فالولايات المتحدة الأميركية نفسها بدأت تشعر، بصورة أو بأخرى، بتداعيات هذا الصراع على اقتصادها الداخلي، ولا سيما في ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية وكلفة الطاقة والنقل والخدمات. ومن يزور المدن الأميركية الكبرى يلمس أن الحياة اليومية لم تعد رخيصة كما كانت، وأن العائلات الأميركية أصبحت أكثر حساسية تجاه ارتفاع أسعار المواد الغذائية والسكن والنقل والخدمات. صحيح أن الاقتصاد الأميركي يمتلك قدرة أكبر بكثير على امتصاص الصدمات مقارنة بالاقتصاد الإيراني، لكن ذلك لا يعني أن المواطن الأميركي محصّن ضد تداعيات الحروب الخارجية. وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى. فواشنطن تستطيع خوض الحرب بقرار سياسي وعسكري، لكن المواطن الأميركي هو الذي يتلقى جزءاً من فاتورتها الاقتصادية. فأي اضطراب في أسواق النفط والطاقة ينعكس سريعاً على أسعار الوقود والنقل، ثم ينتقل أثره إلى كلفة الإنتاج والشحن والسلع الغذائية وسائر الخدمات. وفي اقتصاد ضخم ومتشابك كالاقتصاد الأميركي، لا تبقى تداعيات ارتفاع الطاقة محصورة في محطات الوقود وحدها، بل تنتقل تدريجياً إلى رفوف المتاجر، وإلى كلفة نقل البضائع، وإلى أسعار الخدمات، وفي النهاية إلى ميزانية الأسرة. قد تكون إيران الطرف الأكثر تعرضاً للضغط المباشر نتيجة الحرب والعقوبات، لكن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة تخرج من المواجهة بلا ثمن. لكن الفارق أن قدرة الاقتصاد الأميركي على تحمّل الصدمات أكبر، وأن الدولار يبقى العملة الرئيسية في النظام المالي العالمي، فيما تمتلك واشنطن أدوات مالية ونقدية لا تملكها طهران. لكن المواطن لا يقيس الاقتصاد بالمؤشرات الكبرى وحدها. هو يقيسه بما يدفعه في المتجر، وبفاتورة الكهرباء، وبسعر البنزين، وبكلفة السكن، وبما يبقى في حسابه المصرفي في نهاية الشهر. وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي إدارة أميركية تدخل مواجهة عسكرية طويلة. قد تستطيع الإدارة الأميركية أن تقول إن العملية العسكرية حققت أهدافها الاستراتيجية، وقد تستطيع وزارة الدفاع أن تعلن نجاح ضرب أهداف محددة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه داخل كل بيت أميركي يبقى مختلفاً: كم ستكلفنا هذه الحرب؟ في الحروب، يمكن للسلطات أن تتحكم نسبياً في الصورة العسكرية التي تصل إلى الجمهور. أما الاقتصاد، فمن الصعب إخفاء تأثيره. فالمواطن يرى الأسعار بنفسه. يدفع ثمن الوقود بنفسه، ويذهب إلى المتجر ويكتشف أن المبلغ الذي كان يكفيه قبل فترة لم يعد يكفيه اليوم. ومن هنا فإن استمرار الحرب أو اتساعها قد يتحول إلى مشكلة سياسية داخلية بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، خصوصاً إذا ترافق مع ارتفاع في أسعار الطاقة واستمرار الضغوط التضخمية. وهذا لا يعني أن الاقتصاد الأميركي يتجه إلى الانهيار، ولا أن الولايات المتحدة أصبحت في الوضع الاقتصادي نفسه الذي تعاني منه إيران. لكن الحرب لا تحتاج إلى إسقاط الاقتصاد الأميركي حتى تصبح عبئاً سياسياً. يكفي أن تجعل المواطن يشعر بأن كلفة حياته ترتفع، وأن جزءاً من هذه الكلفة مرتبط بسياسات خارجية وحروب بعيدة عن حياته اليومية. لذلك، فإن تقييم نتائج الحرب الأميركية–الإسرائيلية–الإيرانية لا يمكن أن يبقى محصوراً في عدد الصواريخ التي أُطلقت أو المنشآت التي دُمّرت أو الأهداف التي أصيبت. فهناك جبهة أخرى أكثر هدوءاً، لكنها أكثر التصاقاً بحياة الناس، وهي جبهة الاقتصاد. فإيران تواجه أزمة اقتصادية عميقة، والولايات المتحدة تمتلك اقتصاداً أكثر قوة وقدرة على امتصاص الصدمات، لكن الطرفين، وإن بدرجات مختلفة جداً، يواجهان السؤال نفسه: إلى متى يستطيع الاقتصاد تحمّل كلفة الحرب؟ فالانتصار العسكري قد يُقاس بالأهداف التي تحققت. أما الانتصار السياسي، فيُقاس أيضاً بقدرة الحكومات على إقناع شعوبها بأن الثمن الذي تدفعه يستحق النتائج. وهنا تحديداً تصبح الأسعار أكثر من مجرد أرقام. إنها تتحول إلى مقياس شعبي للحرب، وربما إلى أحد أهم عناصر الحكم عليها. وقد تكون الانتخابات الأميركية النصفية في شهر تشرين الثاني المقبل مؤشرًا لنتائج هذه الحرب.