لم يعد السؤال عـ"من هو المثقف؟" استفساراً أكاديمياً بريئاً عن التعريفات، بل صار إشكالية تكشف تحولات أعمق في بنية المعرفة والسلطة. فإذا كان المثقف في صورته الكلاسيكية يمثل "ضمير الأمة" وحارس الحقيقة، فإن المشهد الثقافي المعاصر يعجّ بأشكال جديدة من الفاعلين الذين يقدمون أنفسهم بديلاً من ذلك الدور أو امتداداً له. وهنا تبرز ثنائية "مثقف النخبة" و"مثقف العامة"، لا بوصفها تبايناً في الأساليب فحسب، بل بوصفها صراعاً معرفياً على مرجعية الحقيقة، ووسائط إنتاجها، وعلاقتها بالجمهور. ويسعى هذا المقال إلى تفكيك هذه الثنائية عبر التاريخ، واستجلاء ملامحها في الحاضر، ثم معالجة الشبهة الأساسية التي تكتنفها: هل يمكن اعتبار "مثقف العامة" مثقفاً بالمعنى الحقيقي للكلمة، أم أنه مجرد انعكاس لتحول خطير في بنية الحقل الثقافي؟ في التصور الكلاسيكي الذي تبلور منذ عصر التنوير الأوروبي، كان المثقف ينتمي حتماً إلى النخبة. يتميز بقدرته على إنتاج المعرفة النظرية، لا على استهلاكها أو نقلها فحسب. وكان خطابه معقداً، متشابكاً مع مرجعيات أكاديمية أو مؤسسية، ويعتقد أن دوره الأساسي يتمثل في "قيادة" المجتمع نحو الحقيقة والعدل، غالباً في مواجهة السياسات التقليدية أو الأعراف السائدة. وفي السياق العربي، تجسّد هذا النموذج في رواد النهضة والعلماء الأزهريين الكبار وأعلام الفكر القومي، الذين كانوا يخاطبون النخبة ويكتبون في صحف ومجلات موجهة إلى فئة مثقفة ضيقة. أما النموذج التاريخي لـ"مثقف العامة" فقد كان يُنظر إليه باعتباره "مبسّطاً" أو "داعية" لأفكار النخبة؛ هو الخطيب، أو الأديب الشعبي، أو الصحافي الذي يكتب بلغة مباشرة، أو شاعر العامية الذي ينقل هموم الناس بلغتهم. ولم يكن يحظى في الخطاب الثقافي الرسمي بلقب "مثقف" بالمعنى النخبوي، بل كان يوصف غالبا بـ"الإعلامي" أو "الواعظ". وظل دوره تابعاً في نظر النخبة: ينقل ولا ينتج، ويشرح ولا ينقد. ومع انهيار المرجعيات الأيديولوجية الكبرى بعد الحرب الباردة، وتسارع ثورة الاتصالات والإنترنت، حدث تحول جوهري في بنية الحقل الثقافي. تراجع احتكار النخبة للخطاب، إذ لم تعد الجامعات والمؤسسات الثقافية التقليدية المصدر الوحيد للمعرفة، بل انفتحت الفضاءات الرقمية لتتيح لأي فرد يمتلك كاريزما ولغة تواصلية أن يفرض نفسه فاعلاً ثقافياً مؤثراً. وتحول مثقف العامة اليوم إلى "مؤثر ثقافي" يستخدم لغة هجينة بين الفصحى والعامية، ويجيد توظيف منصات الفيديو القصير والبودكاست ووسائل التواصل الاجتماعي. ولم يعد دوره مجرد نقل أفكار النخبة، بل أصبح هو المنتج الأول للرأي والتحليل في القضايا اليومية. فإذا كان مثقف النخبة يعمل في زمن بطيء يمتد لأشهر أو سنوات لإنجاز كتاب أو نظرية، فإن مثقف العامة يعمل في زمن آني، يستجيب للأحداث بلحظتها، ويقدم تحليلات سريعة قد تتحول إلى "ترندات" توجّه الرأي العام، كأنه "مثقف الضوء الأخضر" الذي لديه وقت لكل شيء إلا التأمل؛ مشغول دائماً بالاستجابة والتفاعل، لا بالغوص والمراجعة. وتتركز الشبهة في علاقة هذا النموذج الجديد بجوهر العمل الفكري. فمن جهة، يُتهم مثقف العامة المعاصر بأنه يساهم في "استسهال" المعرفة؛ فبينما كان المثقف الكلاسيكي يتعامل مع التردد والشك والمنهجية الطويلة، يقدم مثقف اليوم "اليقين" السريع في فيديو لا يتجاوز دقيقة، أو منشور مقتضب. والسؤال الحقيقي: هل يصنع هذا النموذج مواطناً واعياً قادراً على التفكير النقدي، أم مجرد مستهلك للمعرفة الجاهزة؟ ومن جهة أخرى، يواجه المثقف اليوم سلطة مزدوجة: سلطة الخوارزميات التي تحدد من يصل إلى الجمهور ومن يُحجب، وسلطة "الإلغاء" الاجتماعي التي تجعل الجمهور نفسه حكماً على المثقف. وفي هذا السياق، قد يتحول مثقف العامة من ناقد إلى "بائع" للوعي يلبي رغبات المتابعين خوفاً من فقدان الشعبية. لقد صار مثقفو العامة كأسماك الزينة؛ إن لم تطعمها تموت، فهم في سباق دائم لإرضاء جمهورهم العريض حفاظاً على الاهتمام الذي يمنحهم الشرعية والبقاء. والتحول الأخطر يتمثل في الانتقال من "قيادة" الجمهور إلى "طاعته". فقد كان المثقف التقليدي يرى في الجمهور مجالاً للتوجيه والتنوير، أما مثقف العامة الرقمي فيخضع غالباً لمنطق التفاعل؛ فبدلاً من أن يقدم ما يراه صحيحاً حتى لو كان غير مرغوب فيه، صار يقدم ما يريد الجمهور سماعه، ما يضعف دوره النقدي الأساسي. وهنا تتداعى مقولة تشارلز بوكوفسكي التي تلتقط هذه المفارقة الوجودية بعمق: "بعضهم يفقد عقله ويصبح روحاً هو المجنون، وبعضهم يفقد روحه ويصبح عقلاً هو المثقف، وبعضهم يفقد الاثنين وهو المقبول اجتماعياً". ولعل مثقف العامة المعاصر هو الأكثر تعرضاً لهذه المخاطرة، بحيث قد يضحي بجوهره النقدي أو روحه الأصيلة ليظل في دائرة القبول الاجتماعي الواسع. وهنا نصل إلى جوهر النقاش: هل نطلق على "مثقف العامة"