تلقّى الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضربة سياسية قاسية في الانتخابات النصفية، بعدما نجح الديمقراطيون في انتزاع السيطرة على مجلسَي النواب والشيوخ، في تحوّل يعيد رسم موازين القوى داخل واشنطن، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الغموض بشأن مستقبل الحرب مع إيران وانعكاساتها على إسرائيل ولبنان. وبحسب أحدث النتائج التي أوردتها وكالتا "رويترز" و"أسوشيتد برس"، حقق الديمقراطيون اختراقات انتخابية واسعة في ولايات تُعدّ معاقل تقليدية للجمهوريين، أبرزها تكساس وكارولاينا الجنوبية وكانساس وأوهايو وكارولاينا الشمالية، في انتكاسة لحزب ترامب بعد عامين على عودته إلى البيت الأبيض. وشكّل فوز الديمقراطي جيمس تالاريكو في تكساس، للمرة الأولى منذ نحو أربعة عقود، إحدى أبرز مفاجآت الانتخابات، إلى جانب فوز عبدول السيد بمقعد ميشيغان، ليصبح أول مسلم يُنتخب إلى مجلس الشيوخ الأميركي. ولم تكن هذه النتائج بعيدة عن تداعيات الحرب مع إيران، إذ أظهرت استطلاعات الناخبين أن ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود، إلى جانب الاستياء من إدارة الحرب، شكّلت عوامل مؤثرة في التصويت. وأقرّ ترامب بأن المواجهة مع طهران أسهمت في خسارة الجمهوريين، معتبراً أن الأميركيين ربما يؤيدون موقفه من إيران، لكنهم لم يكونوا مستعدين لتحمّل ارتفاع أسعار البنزين، رغم وصفه ذلك بأنه ثمن قصير الأمد لتحقيق مكاسب بعيدة المدى. وتكتسب الهزيمة أهمية استثنائية لأنها تضع ترامب، اعتباراً من تسلّم الكونغرس الجديد مهماته في 3 كانون الثاني 2027، أمام معارضة تسيطر على السلطتين التشريعيتين، وتملك القدرة على تعطيل مشاريع القوانين والتأثير في الموازنات وفتح تحقيقات بشأن سياسات الإدارة، بما فيها القرارات العسكرية والإنفاق المرتبط بالحرب. ومع ذلك، يحتفظ الرئيس بصلاحيات واسعة في السياسة الخارجية واستخدام القوة العسكرية. وتأتي هذه التطورات في توقيت حساس، بعدما أكد ترامب في مقابلة مع صحيفة "فايننشال تايمز" أنه لا يملك خطة فورية لضرب إيران، من دون استبعاد الخيار العسكري. وشدّد على استمرار المفاوضات مع طهران، فيما تبقى القوات الأميركية مستعدة للتحرك إذا فشل المسار الدبلوماسي. وفي إسرائيل، أثارت النتائج مخاوف من تبدّل الحسابات الأميركية في المنطقة. واعتبرت صحيفة "جيروزاليم بوست" أن تل أبيب باتت أمام ثلاثة تحديات استراتيجية، تتعلق بمستقبل المواجهة مع إيران، وتراجع قدرة ترامب على تمرير أجندته في الكونغرس، واتجاه السياسة الأميركية وصولاً إلى الانتخابات الرئاسية عام 2028. وطرح التحليل الإسرائيلي احتمالين: إما أن يتجه ترامب نحو اتفاق مع إيران لإنهاء المواجهة وتخفيف كلفتها السياسية والاقتصادية، وإما أن يلجأ إلى عملية عسكرية محدودة وسريعة تتيح له إعلان تحقيق أهدافه. إلا أن السيناريوهين يبقيان في إطار التقديرات، من دون مؤشرات حاسمة إلى القرار الذي ستتخذه واشنطن. وتزامن الانقلاب السياسي الأميركي مع تطور لافت في العلاقات الأميركية الإسرائيلية، بعدما أعلن ترامب أنه توصّل إلى تفاهم مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف المساعدات العسكرية الأميركية المباشرة، التي تبلغ نحو أربعة مليارات دولار سنوياً، مع استمرار بيع الأسلحة لإسرائيل. لكن تنفيذ هذا التوجّه لا يزال مرتبطاً بالترتيبات القانونية والمالية القائمة ودور الكونغرس. أما لبنان، فيبقى في قلب هذه الحسابات، خصوصاً في ظل المخاوف من انتقال أي مواجهة أميركية إيرانية جديدة إلى الجبهة اللبنانية. ويأتي ذلك بعد كشف هيئة البث الإسرائيلية "كان"، أمس الثلاثاء، عن طلب إسرائيلي نُقل عبر الوساطة الأميركية إلى الحكومة اللبنانية لإعادة انتشار الجيش واتخاذ إجراءات تحول دون تدخل حزب الله في أي حرب مقبلة مع إيران، من دون تأكيد لبناني رسمي لمضمون الطلب. وبينما تسعى طهران إلى استثمار نتائج الانتخابات بوصفها مؤشراً إلى رفض الأميركيين استمرار الحرب، تجد إسرائيل نفسها أمام احتمال إعادة تقييم واشنطن خياراتها العسكرية والدبلوماسية، في وقت بات فيه ترامب مضطراً إلى التعامل مع واقع سياسي داخلي أكثر تعقيداً. وهكذا، لا تعني هزيمة الجمهوريين انتهاء الحرب مع إيران، ولا تجعل التسوية أمراً محسوماً، لكنها تغيّر البيئة السياسية التي ستُتخذ فيها القرارات المقبلة. وبين ضغوط الداخل الأميركي وحسابات إسرائيل وطهران، يبقى لبنان أمام السؤال الأكثر خطورة: هل تدفع نتائج الانتخابات واشنطن إلى إطفاء نار المواجهة، أم إلى تصعيد عسكري جديد قبل أن تضيق هوامش المناورة؟