قبل أقل من عامين، كانت العيون كلها في منطقتنا مسلطة على صناديق الانتخابات الأميركية. قبلها كانت إدارة بايدن الديمقراطية قد رعت إبادة جماعية تبث على الهواء مباشرة في غزة لعام ونيف، وبدا وكأن لبنان انضم إلى قائمة القتل الجماعي الإسرائيلية برضا أميركي. وكانت صورة الرئيس الأميركي المسن وهو يأكل الأيس كريم ويبتسم بحبور حين سئل عن غزة، تلخيصاً مأساوياً لحقبة حكمه. في السباق على كرسي الرئاسة، وعد ترامب العائد من وراء حجاب الموت السياسي، بوقف كل الحروب، بينما أخرست منافسته الديمقراطية الأصوات المطالبة بوقف الإبادة داخل حزبها. ارتكب الديمقراطيون حماقة استهانتهم بيسار حزبهم، وافترضوا أن المصوتين من الأقليات والشباب وذوي الميول الراديكالية لا بدائل أمامهم، سوى التصويت لمرشحتهم. لكن هذا لم يحدث، وخسرت كامالا هاريس الانتخابات لأسباب عدة، كان من بينها الميراث الأخلاقي الفادح لسلفها في الشرق الأوسط. وبدا وكأن ترامب يفي بوعوده، حتى قبل تسلمه مهام منصبه، حين أوقف حملة التدمير الإسرائيلية على لبنان. ولاحقاً، أضاف الرئيس الجمهوري إلى قائمة إنجازاته، "مجلس السلام" لإدارة غزة، بعد وقف إطلاق النار الذي طال انتظاره. يعود الاهتمام في المنطقة لينصب على انتخابات أميركية أخرى. هذه المرة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. حنث الرئيس الأميركي بوعوده، وتورط في حرب أخرى في الشرق الأوسط. هي كالعادة حرب إسرائيلية شاركت فيها الولايات المتحدة بشكل مباشر. التبعات لا تقتصر على المنطقة، بل امتدت لتطول الاقتصاد العالمي المتباطئ بالأساس. تضاعفت أسعار الديزل في الولايات المتحدة في أقل من عام لتمحو وعود "العصر الذهبي" و"لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى". الرئيس الذي بنى دعايته على وعد بالرخاء الاقتصادي، وانسحاب أميركي من حروب الآخرين، تتحطم شعبيته على حماقة الحرب الإيرانية، لتهبط إلى مستويات قياسية، وهو يدعو ناخبيه لتحمل المعاناة الاقتصادية كـَ "ثمن زهيد" لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية. المفارقة أن الديمقراطيين الذين خسروا انتخابات الرئاسة قبل عامين على خلفية حروب شرق أوسطية تشنها إسرائيل في جميع الاتجاهات، ترتفع حظوظهم اليوم، وذلك بفضل وعد ضمني بأن سيطرتهم على مجلسي الكونغرس ستضع مكابح على حرب أميركية أخرى دائرة في الشرق الأوسط. بشكل مأساوي، يبدو وكأن مصائر سكان المنطقة معلقة بالانتخابات الأميركية كل عامين، وفي الوقت نفسه يبدو وكأن نتائج تلك الانتخابات معلقة بتبعات الحماقات والجرائم الأميركية في هذه المنطقة نفسها. لدى الناخبين ذاكرة سمكة لا تتجاوز فترة حكم واحدة أو أقل، وفي نظام ديمقراطية الحزبين ليس لديهم الكثير من الخيارات. تعمل الأبواب الدوارة على خروج حزب ودخول الآخر. تعلم الديمقراطيون الدرس القريب، أو لم يتعلموه لكن فرضته الوقائع. حكمة الفوز من الوسط ثبت عدم جدواها. ويعود بعض من الفضل في صعود الجناح الراديكالي من الحزب إلى الهزيمة الأخيرة في الانتخابات الرئاسية. لا ضمانة أن يقود فوز الديمقراطيين بالمجلسين إلى لجم الحماسة للحرب، فالحشد العسكري الأميركي ضد إيران يجري على قدم وساق. وترامب الجريح قد يكون أكثر تهوراً من ترامب المنتصر، أو هذا ما نعرفه عنه بالفعل. لا تعود أهمية نتائج تلك الانتخابات إلى ما ستغيره من تركيبة اتخاذ القرار في واشنطن خلال العامين ونيف المتبقيين من رئاسة ترامب، بل ربما تبعاتها داخل الحزبين هي الأجدر بالاهتمام. فوز كبير للديمقراطيين قد يعزز موقف الجناح التقدمي داخل الحزب على حساب الوسطيين، والعكس صحيح. وبالمثل خسارة فادحة للجمهوريين قد تشعل حرباً أهلية داخل الحزب، تكون فيها اليد العليا للانعزاليين. أسوأ السيناريوهات هو أن تكون النتائج غير حاسمة بما يكفي، وتبقى مصائر المنطقة في الانتظار حتى الانتخابات المقبلة بعد عامين.