التكلفة المالية لغياب التقدم: ماذا تعني "اللائحة الرمادية" بالنسبة للبنان؟ التكلفة المالية لغياب التقدم: ماذا تعني "اللائحة الرمادية" بالنسبة للبنان؟عجاقة: بيروتَ تحت رقابةٍ مُشدَّدة... فهل يُعدُّ ذلك احتكاكاً إدارياً أم عقاباً هيكلياً بطيئاً؟ خاص - "اخبار اليوم" قررت مجموعة العمل المالي (FATF)، في اجتماعها العام، إبقاء لبنان ضمن "لائحتها الرمادية" التي تضم الدول الخاضعة لرقابة مشددة. ويُمثّل هذا القرار مناسبةً أخرى تزيد من شعور السلطات اللبنانية بالإحباط والاستسلام. ففي حين تطرح الهيئات التنظيمية (مثل مصرف لبنان) بعض الإجراءات التصحيحية وتصدر تعاميم بهذا الشأن، يرى المستثمرون واقعاً يتحدث عن نفسه، إذ لا تزال تفتقر البلاد إلى تدابير فعالة تجعل منها بيئةً ماليةً سليمةً وذات كفاءة. ولفهم تداعيات هذا القرار، يشرح الخبير الاقتصادي البروفيسور جاسم عجاقة، عبر وكالة "أخبار اليوم"، انه لا بد من تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة الشائعة؛ فاللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي ليست حظراً اقتصادياً ولا عقوبة قانونية بالمعنى التقليدي. فالهيئة الرقابية، التي تتخذ من باريس مقراً لها، لا تقوم بتجميد أصول الدولة، ولا تسحب تراخيص المصارف، ولا تفرض حظراً على التجارة. ومع ذلك، فإن اعتبار الإدراج في اللائحة الرمادية مجرد إجراء إداري هو تقليلٌ من شأن تداعياته في الاقتصاد العالمي؛ ففي عالم المال، السمعة تعادل المال. ومن خلال إبقاء لبنان على هذه القائمة، تتحول مجموعة العمل المالي -بحكم تأثيرها على الأسواق- إلى أداةٍ تفرض عقوبةً اقتصاديةً فعلية.طبيعة العقوبة غير المرئيةويوضح عجاقة انه عندما يُصنَّف بلدٌ ما ضمن اللائحة الرمادية، لا تنظر إليه أقسام الامتثال في المؤسسات المالية كشريكٍ في عملية الإصلاح، بل ككيانٍ ينطوي على مخاطر عالية. وتطبق وكالات المقاصة العالمية، والبنوك، ومديرو الأصول بروتوكولات داخلية صارمة لإدارة المخاطر؛ فلحماية أنفسهم من العقوبات التي قد تفرضها الهيئات التنظيمية في المراكز المالية الكبرى، مثل نيويورك ولندن وفرانكفورت، تلجأ هذه المؤسسات تلقائياً إلى إجراءات "العناية الواجبة المعززة" (Enhanced Due Diligence) على أي معاملة مالية تنطلق من لبنان أو تصل إليه.ويقول: تخلق هذه العقبات تكلفةً حقيقيةً باهظة؛ إذ قد تستغرق عملية تحويل الأموال من وإلى لبنان أسابيع بدلاً من ساعات. كما تخضع الأرصدة المودعة في البنوك الأجنبية لرقابة صارمة، وتصبح أقل سيولةً بكثير. ونظراً لأن العمليات المرتبطة بلبنان تدرّ أرباحاً منخفضة نسبياً مقارنةً بالمخاطر القانونية الجسيمة التي تنطوي عليها، بدأت البنوك تتجه بشكل متزايد إلى إنهاء تعاملاتها مع لبنان.ويضيف عجاقة: خلاصة الاستنتاجات الاقتصادية. لا يعني الإدراج في اللائحة فرض عقوبات قانونية، بل هو مؤشر على تصنيف مخاطر ضمن نطاق تنظيمي معين، مما يخلق عقبات في سير العمليات بالسوق.وهنا، يتوقف عجاقة عند ثلاث نقاط رئيسية، قائلا: إن بقاء لبنان على هذه اللائحة يشير إلى وجود خلل جسيم في ثلاثة جوانب أساسية من سياسات البلاد:1. الاعتماد المستمر على النقد (الكاش): بعد انهيار النظام المصرفي في عام 2019، تحول الاقتصاد اللبناني ليعتمد على المعاملات النقدية التي باتت تشكل أكثر من 45% من الناتج المحلي الإجمالي. ونظراً لاستحالة تتبع هذه المعاملات النقدية تقريباً، تبرز تعقيدات كبيرة في إجراءات "العناية الواجبة تجاه العملاء" (CDD).2. إشكالات في الملاحقة القضائية: يمنح نظام "مجموعة العمل المالي" (FATF) الأولوية لـ "الفعالية" على حساب النصوص القانونية. ورغم أن "هيئة التحقيق الخاصة" (SIC) تقوم غالباً بتجميد الحسابات، إلا أن القضاء المحلي يواجه صعوبات في التوصل إلى أحكام إدانة نهائية أو مصادرة أصول في قضايا غسل الأموال أو الجرائم المالية الكبرى.3. ثغرات في الملكية والتنظيم: في ظل غياب سجل مركزي ومدقق لـ "المستفيدين الحقيقيين" (UBO)، تزداد مخاطر استغلال وكلاء العقارات وتجار الذهب والشركات الوهمية من قبل مجرمين يبحثون عن واجهات لنشاطاتهم غير المشروعة.التبعات المباشرة: على الأفراد والمستوردين والمؤسسات الماليةوردا على سؤال حول التبعات المباشرة لهذا القرار، يجيب عجاقة: تتركز الأعباء المالية لهذا الوضع بشكل خاص على القطاعات الإنتاجية. أما بالنسبة للأفراد، فتتجلى هذه الأعباء في الصعوبات المتعلقة بالتحويلات المالية؛ إذ تضطر ملايين العائلات التي تعتمد على الأموال المرسلة من أقاربها في الخارج إلى دفع رسوم وتكاليف مصرفية أعلى.وبالنسبة للشركات والمستوردين، يشرح عجاقة ان وجود لبنان ضمن "اللائحة الرمادية" يعني ارتفاعاً في التكاليف؛ حيث تطلب المصارف عند التحقق من أدوات التجارة مثل "فتح الاعتماد" (L/Cs)، ضمانات نقدية سائلة تغطي 100% أو أكثر من قيمة العملية. كما