لم يكن يوسف حداد عربياً يقف على هامش المجتمع الإسرائيلي، ولا معارضاً للمشروع الصهيوني. على العكس، أمضى سنوات طويلة في الدفاع عن إسرائيل وجيشها، وخاض معاركها في لبنان وخسر قدمه، ثم حمل روايتها إلى المنابر الدولية. لكن كل ذلك لم يكن كافياً، وفق أحد أبرز حاخامات الصهيونية الدينية، ليمنحه الحق في قيادة الإسرائيليين، لأنه ببساطة غير يهودي. القصة بدأت بعدما ترشّح حداد في المرتبة الثانية على لائحة حزب "عمخا يسرائيل"، برئاسة الضابط الإسرائيلي السابق عوفر وينتر، معلناً طموحه إلى أن يصبح "وزير الإعلام وأول عربي يدخل المجلس الوزاري السياسي والأمني المصغر". غير أن هذا الطموح اصطدم بالحاخام شلومو أفينير، رئيس معهد "عطيرت كوهانيم" في القدس وأحد أبرز المرجعيات في تيار الصهيونية الدينية، الذي رفض بصورة قاطعة التصويت لحزب يضم حداد في موقع متقدم. وخلال درس ديني، سُئل أفينير: "هل يمكن التصويت لحزب يكون الرقم 2 فيه، يوسف حداد، غير يهودي؟"، فأجاب: "بالتأكيد لا"، معتبراً أنه لا يجوز منح غير اليهودي مناصب قيادية على الأمة. وعندما سأله أحد الطلاب عمّا إذا كان هذا الموقف ينطبق حتى على شخص يُصنّف بأنه من "الصالحين بين أمم العالم"، جاء جواب الحاخام أكثر وضوحاً: "حتى الصالح بين أمم العالم لا يستطيع أن يكون قائداً في أرض إسرائيل. يمكنه أن يكون مواطناً عادياً، لكنه لا يستطيع أن يكون قائداً". لكن المفارقة لا تكمن في كلام أفينير وحده، بل في هوية الشخص الذي استهدفه. فحداد، البالغ 41 عاماً، عربي مسيحي من عائلة تنحدر من الناصرة. وعلى الرغم من أن الخدمة العسكرية ليست إلزامية للعرب في إسرائيل، تطوع في الجيش عام 2003 وانضم بطلب منه إلى لواء "غولاني"، قبل أن يصبح قائداً في صفوفه. وخلال حرب لبنان الثانية عام 2006، أصيب حداد بجروح خطرة بصاروخ "كورنيت" في معركة بنت جبيل، ما أدى إلى بتر قدمه. وبعد رحلة علاج وتأهيل طويلة، لم ينقلب على الدولة التي قاتل من أجلها، بل تحول إلى أحد أبرز المدافعين عنها. وأسّس حداد عام 2018 جمعية "معاً – كفلاء لبعضنا البعض"، التي تعمل على دمج العرب في المجتمع الإسرائيلي وتشجيعهم على التطوع في الجيش والخدمة المدنية. كما جال على الجامعات والمنابر الدولية مدافعاً عن إسرائيل، وخاض حملات ضد حركة المقاطعة، وظهر أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة للرد على اتهامات العنصرية الموجهة إليها. وبعد حرب غزة، كثّف حداد نشاطه الإعلامي باللغات العربية والعبرية والإنكليزية، ودافع عن العمليات العسكرية الإسرائيلية، ورفض اتهام إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية أو ممارسة الفصل العنصري، مقدماً نفسه نموذجاً للعربي القادر على الاندماج الكامل في الدولة والدفاع عنها. ومع ذلك، عندما حاول الانتقال من دور الجندي والمدافع الإعلامي إلى موقع القيادة السياسية، اصطدم بسقف مختلف: يمكن لغير اليهودي، وفق خطاب أفينير، أن يحمل السلاح ويقاتل ويصاب دفاعاً عن الدولة، لكنه لا يملك الحق في قيادتها. ودفع هذا التناقض وينتر إلى رفض كلام الحاخام، مستعيداً تجربته مع ضباط ومقاتلين دروز وبدو ومسيحيين في لبنان وغزة والضفة الغربية. وقال وينتر: "كانوا جديرين بما يكفي ليُصابوا، وحتى ليسقطوا من أجل الدولة، وكانوا جديرين بأن نسير خلفهم في المعارك، وهم جديرون بما يكفي للقيادة". ثم توجّه إلى حداد قائلاً: "أنا فخور بأنك كنت قائداً لمقاتلين في غولاني، وفخور بأنك خاطرت بحياتك من أجل شعب إسرائيل وأُصبت في المعركة. قاتلت بالزي العسكري، وما زلت تقاتل دفاعاً عن شعب إسرائيل في كل مكان في العالم". ولا يمكن اختصار المجتمع الإسرائيلي كله بموقف حاخام واحد، ولا سيما أن الرد عليه جاء من داخل اليمين العسكري نفسه. إلا أن أهمية كلام أفينير تكمن في مكانته داخل تيار ديني وسياسي مؤثر، وفي كشفه حدود القبول التي قد يواجهها غير اليهودي، مهما بلغت درجة ولائه وتضحياته. فيوسف حداد ارتدى زي الجيش الإسرائيلي، وقاتل في لبنان، ودفع من جسده، ودافع عن رواية إسرائيل في العالم، وشجع العرب على الالتحاق بمؤسساتها. لكن عندما اقترب من موقع القيادة، جاءه الجواب من أحد كبار حاخامات الصهيونية الدينية: يمكنك أن تقاتل من أجل إسرائيل وتخسر قدمك دفاعاً عنها… لكنك ستبقى غير يهودي، ولن يُسمح لك بقيادتها.