يكرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأسلوب نفسه الذي استخدمه قبل الحرب الماضية على إيران والتي استمرت 60 يوماً. فقبلها تكثفت المفاوضات، واللقاءات، وذهب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير إلى لقاءات مباشرة مع الإيرانيين، وخاضا نقاشات وكانا متحمسين لإبرام الاتفاق. وعلى الرغم من كثرة الأجواء الإيجابية التي سرّبت في حينها، كان خيار ترامب هو الحرب التي عمل على التحضير والاستعداد لها، حتى إن المفاوضات لم تخض يومها في الجوانب التقنية حول الملف النووي، لأن ويتكوف وكوشنير لا يمتلكان الخبرة الكافية لذلك. كانت المفاوضات كأنها تهدف إلى تمهيد الطريق أمام الحرب. حالياً، يتكرر السيناريو نفسه. فكل المفاوضات تبدو بالنسبة إلى الأميركيين مساراً سيقود في النهاية إلى اتخاذ قرار بخوض الحرب. حرب يريدونها أن تكون واسعة وشاملة، ولا تنخرط بها الولايات المتحدة الأميركية وحدها، ولا تكون إسرائيل شريكتها الوحيدة. هنا لا بد من العودة إلى كلام ترامب مع العديد، من حلفائه إذ قال لهم: عليكم أن تكونوا معنا، ولا مجال من الوقوف على الحياد. تريد أميركا توحيد الحلفاء، كما تريد إيران وحدة الساحات والجبهات، وهو ما لوح به مرشدها مجتبى خامنئي. قبل الوصول الى لحظة الحرب، خيضت مفاوضات كثيرة، ودول عديدة دخلت على الخط، بينما تكثفت المساعي لفكفكة عقد بعض الملفات وتحقيق وقف إطلاق النار في عدد من الجبهات، ولا سيما في اليمن، لكن ذلك لم يصل إلى أي نتيجة. يبدو المشهد كأن العالم سينقسم إلى محورين في المنطقة. محور تقوده واشنطن، وتريد لحلفائها المتضررين من إيران أن ينضموا إليها في الحرب. فتريد للسعودية أن تكون منخرطة في الحرب، وتريد للعراق أن يتصدى للفصائل الموالية لإيران، وتطلب من سوريا أن تتدخل ضد حزب الله، وهو ما رفضته دمشق. في موازاة هذه الضغوط الأميركية استمرت المساعي والمحاولات للوصول الى اتفاق، لكن لم يتحقق تقدم فعلي. بينما في المقابل، كان اليمن يعلن وجود خبراء من الحرس الثوري وحزب الله في إدارة العمليات العسكرية إلى جانب الحوثيين. وبالتزامن كانت دمشق تعلن تفكيك خلية تخطط لاستهداف مصفاة نفط في حمص. تبدو هذه الأخبار كأنها تحضير الأرضية لحصول حرب شاملة. وهي حرب إن اندلعت بين إيران وأميركا حتماً ستكون شاملة، ما دامت طهران قد هددت بأن ردودها ستكون واسعة جداً جغرافياً. كل ذلك يأتي في ظل عدم تسجيل أي خرق فعلي وحقيقي لمسار المفاوضات. إذ بحسب ما تكشف مصادر متابعة، كلما قدمت إيران عرضاً، أو طرح الوسطاء طرحاً، كانت واشنطن في غاية التشدد وتطالب بالمزيد. فلم ترضَ بالإفراج عن أموال إيران المجمدة، ولا عن فوائدها، وتشددت بضرورة فتح مضيق هرمز وتسليم اليورانيوم العالي التخصيب، وإدخال المفتشين إلى المواقع النووية الإيرانية، ولا سيما منشأة جبل الفأس. استشعر الإيرانيون أن ترامب يضع شروطاً تعجيزية وأنه يريد أن يخرج منتصراً من أي اتفاق. تتشدد إيران أكثر في مطالبها المعلنة. وهي اعتبرت أن ترامب لوح وهدد كثيراً بشن الحرب والضربات، ولكنه لم يفعل، وربما هذا زاد من تشددها وتصلبها، إذ يعتبر الإيرانيون أن هناك ضياعاً أميركياً وعدم حسم في القرار، ولا تتوفر لدى الأميركيين قناعة فعلية بأن الحرب ستؤدي إلى النتيجة المطلوبة. راهنت إيران على صمودها، وعلى تضارب الآراء داخل الإدارة الأميركية، فيما ترامب يرفض التعاطي معه كأسد جريح، ويريد لردة فعله ان تكون عنيفة وصلت الى حدود تسريب أخبار حول استخدام السلاح النووي، وهو ما أرفق بتسريب عن نقل إسرائيل معلومات استخبارية عن استعداد إيران لاستخدام نووي أو سلاح كيماوي ضد خصومها. ما تراهن عليه طهران، هو التضارب في الآراء داخل الإدارة الأميركية، وسط معلومات عن وجود ثلاثة آراء: الأول مع الاتفاق ويتقدمه نائب الرئيس جي دي فانس وستيف ويتكوف، وهذان يعتبران أن دول الخليج لا تريد الحرب وتريد الاتفاق، ويمكن العمل معها في سبيل ذلك. الثاني مع الحرب، وأن تكون سريعة ويتقدم هذا الخيار وزير الحرب ومسؤولون كبار في البيت الابيض، وهو ما يدفع باتجاهه نتنياهو. وهؤلاء يقترحون شن موجة عنيفة من الهجمات الواسعة تستمر تسعين يوماً، وتدمير كل البنى التحتية والمرافق والقدرات العسكربة. أمّا الرأي الثالث فيؤيّد أصحابه استمرار الحالة الحالية على قاعدة أن أميركا غير متضررة وغير مستعجلة، ويمكن للحصار المشدد والخانق على إيران أن يحدث انهيارات متدرجة، وبعدها تقرر واشنطن ما إذا كانت ستذهب باتجاه الحرب لإحداث التغيير المطلوب. لكن الكلمة بقيت لدى ترامب، وهو الذي كرر مراراً بأن قراره سيكون فوراً بعد انتهاء الانتخابات النصفية.