"لم نتوقع أن الناس مثلك تسهر"... عبارة سمعها أنطوني نحول عندما قصد أحد المطاعم برفقة أصدقائه لقضاء أمسية عادية. فالمكان لم يكن مجهزاً لاستقبال الأشخاص ذوي الإعاقة، وعندما استفسر عن السبب، جاءه هذا الرد. يروي نحول، الذي ولد من دون أطراف، لـِ "المدن" هذه الحادثة، معتبراً أنها تعكس نظرة لا تزال تضع حدوداً لحياة الأشخاص ذوي الإعاقة، وتفترض مسبقاً ما يستطيعون فعله وما لا يستطيعون. فحتى رغبتهم في الخروج مع الأصدقاء وقضاء أمسية عادية تبدو، بالنسبة إلى البعض، أمراً غير متوقع. لكن ما يواجهه أنطوني ليس حالة معزولة. فالأرقام تشير إلى أن الأشخاص ذوي الإعاقة يشكلون ما بين 10 و15 في المئة من سكان لبنان؛ أي أكثر من نصف مليون شخص، في حين لا يتجاوز عدد حاملي بطاقة الإعاقة الرسمية 120 ألفاً. أما في سوق العمل، فتصل نسبة البطالة بينهم إلى نحو 80 في المئة. تكشف هذه الأرقام فجوة كبيرة بين حجم الفئة المعنية وما يصل إليها من حقوق وخدمات، من الحماية الاجتماعية والتعليم والرعاية الصحية، إلى فرص العمل والمشاركة في الحياة العامة. وهي فجوة لا تظهر في الإحصاءات وحدها، بل في تفاصيل الحياة اليومية، وفي المعارك التي تخوضها عائلات كثيرة لتأمين أبسط الحقوق لأبنائها. "أنا الشخص الوحيد اللي عندي إعاقة بلبنان" بالنسبة إلى فاديا فرح، بدأت هذه المعركة منذ اللحظات الأولى لولادة ابنتها ميا. كانت الحرب دائرة، وكانت وحدها في المستشفى حين وضعت طفلتها. تستعيد تلك اللحظات لـ"المدن"، قائلة إن المستشفى لم يقدم لها أي مساعدة، بل لم يسمح لها حتى برؤية ابنتها في البداية. لكن تجربة ميا خارج لبنان كشفت لفاديا، بطريقة مختلفة، حجم المشكلة. فبعد عودة العائلة إلى البلاد، لم تكن ميا مرتاحة في محيطها الجديد. احتاجت إلى نحو عام حتى بدأت تتأقلم، إلى أن عادت ذات يوم وقالت لوالدتها: "أنا الشخص الوحيد اللي عندي إعاقة بلبنان". توقفت فاديا عند هذه العبارة. فميا لم تكن تصف بلداً خالياً من الأشخاص ذوي الإعاقة، بل واقعاً لا تراهم فيه، ولا تجد فيه مساحة كافية ليكونوا حاضرين في الشارع والمدرسة والأماكن العامة. وكأن غيابهم عن الحياة اليومية جعل وجودهم استثناءً حتى في نظر طفلة لديها إعاقة. وتقول فرح إنها بذلت جهوداً كبيرة حتى تتمكن من إرسال ابنتها إلى المدرسة، في مواجهة صعوبات كثيرة، من غياب المؤسسات المناسبة إلى ضعف تقبّل فكرة الدمج. وترى أن الحديث عن حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بدأ يتقدم في لبنان، لكن ذلك لا يكفي ما لم يتحول إلى فرص فعلية للتعليم والمشاركة والاستقلالية. من القانون إلى الاستراتيجية: محاولة لتغيير طريقة تعامل الدولة منذ عام 2000، يمتلك لبنان القانون 220 المتعلق بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وهو قانون اعتُبر متقدماً عند إقراره، حتى إن بعض المشرعين في دول عربية استفادوا من تجربته. لكن مرور أكثر من ربع قرن كشف أن أجزاء أساسية منه بقيت حبراً على ورق، وأن وجود النص القانوني لم يكن كافياً لضمان الحقوق التي ينص عليها. ومع مصادقة لبنان على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، برزت الحاجة إلى تحديث الإطار التشريعي، والانتقال من مقاربة تركز على الرعاية والمساعدة إلى أخرى تقوم على الحقوق والمساواة وتكافؤ الفرص. في هذا السياق، أطلقت وزارة الشؤون الاجتماعية، برعاية وحضور رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، في السراي الحكومي، "الاستراتيجية الوطنية لحقوق ودمج الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان 2026–2030"، التي أقرها مجلس الوزراء في 26 شباط الماضي، وتمتد على خمس سنوات. وتصف وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، في حديثها لـِ "المدن"، الإستراتيجية بأنها الأولى من نوعها التي يقرها مجلس الوزراء في لبنان، موضحة أنها تتضمن محاور عدة، أبرزها إلزام مؤسسات الدولة بتطوير التشريعات والسياسات المتعلقة بالإعاقة، بما يتوافق مع المقاربة الحقوقية واتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. وتشير السيد إلى أن القانون 220/2000 يحتاج إلى تحديث ليصبح أكثر توافقاً مع الاتفاقية الدولية، لافتة إلى أن التعديلات ستشمل أيضاً آليات التقييم، نظراً إلى وجود إعاقات لا يغطيها القانون الحالي بصورة كافية. لكن الإستراتيجية، بحسب السيد، لا تقتصر على تعديل النصوص القانونية، بل تقوم على انتقال الوزارات من الاعتراف النظري بالحقوق إلى الالتزام بتغيير الممارسات. وتقول إن كل وزير ووزيرة سيكون معنياً بتحديد كيفية تغيير طريقة تعاطي وزارته مع ملف الإعاقة. وتلخص السيد جوهر المقاربة الجديدة بالقول إن "الإعاقة ليست بالشخص، بل بالدولة والمؤسسات التي لا تستجيب للتغيير". بين الخطاب الرسمي والتمثيل الفعلي لكن إطلاق الإستراتيجية لم يخلُ من اعتراضات، خصوصاً من المنظمات التي تمثل الأشخاص ذوي الإعاقة، والتي رأت في بعض تفاصيل الحفل مؤشرا