من أين يأتي فائض ميزان المدفوعات في لبنان؟ من أين يأتي فائض ميزان المدفوعات في لبنان؟الواردات نحو 13.66 مليار والصادرات 2.2 مليار... أصبح لبنان عملياً اقتصاداً مدولراً رياض أسعد هلال - اساس ميدياحقق لبنان فائضاً في ميزان المدفوعات بلغ نحو 3.3 مليارات دولار خلال عام 2025، وسجّل فائضاً فعلياً قدره 844 مليون دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، بعد تحييد أثر ارتفاع قيمة الذهب، وفق بيانات مصرف لبنان. لكن هذه الأرقام لا تعني أن الاقتصاد أصبح أكثر إنتاجية أو أن الصادرات حققت قفزة نوعية، بل تعكس تحولاً جذرياً في طبيعة مصادر تدفق الدولار إلى الاقتصاد اللبناني.حتى عام 2019، كان العجز التجاري يُموَّل عبر القطاع المصرفي، الذي كان يستقطب الودائع من الخارج ويوفّر التحويلات والاعتمادات المستندية للمستوردين. أما اليوم، فقد انتقل لبنان إلى اقتصاد مدولر شبه كامل، في وقت تراجعت فيه حصة الليرة إلى نحو 4% فقط من التداول النقدي، وفق تقديرات الخبراء الماليين والاقتصاديين، وأصبح المجتمع نفسه، لا المصارف، المصدر الأساسي للدولار.العجز التجاري مستمر… فمن أين يأتي الدولار؟تكشف بيانات إدارة الجمارك أن الواردات خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 بلغت نحو 13.66 مليار دولار، مقابل صادرات تُقدّر بنحو 2.2 مليار دولار، ما يعني تسجيل عجز تجاري يقارب 11.47 مليار دولار.لكن ميزان المدفوعات لا يقتصر على قياس حركة التجارة، بل يشمل أيضاً الخدمات والتحويلات والتدفقات المالية.دخل إلى لبنان نحو 4 مليارات دولار عبر التحويلات الرسمية، بما فيها العمليات التي تمر عبر المصارف وشركات تحويل الأموال، مثل Western Union وOMT. كذلك، سجّل حساب خدمات السفر نحو 3.3 مليارات دولار، وفق تقرير بنك عوده، شملت إنفاق المغتربين والوافدين. ومع ذلك، بقيت فجوة تمويلية كبيرة، ما يشير إلى أن جزءاً مهماً من الدولار يأتي من خارج القنوات التقليدية.اقتصاد الكاش… الاحتياطي الموازيأصبح لبنان عملياً اقتصاداً مدولراً شبه كامل، إذ باتت معظم عمليات التسعير والاستهلاك والاستيراد تتم بالدولار. وبذلك، لم يعد استقرار سعر الصرف مرتبطاً بقدرة المصارف على جذب الأموال، كما كان الحال قبل الأزمة، بل بقدرة الاقتصاد على توفير العملة الصعبة من خلال المغتربين والسياحة والشركات والمدخرات النقدية.بعد انهيار القطاع المصرفي، انتقل جزء كبير من الدولارات من المصارف إلى التداول النقدي المباشر. وقدّر البنك الدولي حجم اقتصاد الكاش في لبنان بنحو 9.9 مليارات دولار عام 2022، أي ما يعادل 45.7% من الناتج المحلي الإجمالي. كما تشير تقديرات خبراء الاقتصاد إلى أن ما بين 10 و12 مليار دولار لا يزال محتفظاً به نقداً في المنازل والخزائن الخاصة.شكّل هذا المخزون خلال السنوات الأخيرة احتياطياً موازياً للاقتصاد، أتاح تمويل جزء من عمليات الاستيراد والاستهلاك بعد انهيار النظام المصرفي. لكنه يبقى رصيداً قابلاً للاستهلاك، وليس مورداً متجدداً للنقد الأجنبي.السهو والخطأ… مرآة اقتصاد الكاشيظهر أثر هذا التحول في بند “السهو والخطأ” (Net Errors and Omissions) ضمن ميزان المدفوعات، وفق منهجية صندوق النقد الدوليBPM6 .لا يعني هذا البند بالضرورة وجود أخطاء محاسبية، بل يمثّل الفارق الإحصائي الناتج من عدم التطابق الكامل بين بيانات الحساب الجاري والحساب المالي. وفي الحالة اللبنانية، يعكس هذا البند جزئياً صعوبة رصد حركة الدولار في اقتصاد باتت نسبة كبيرة من عملياته تتم نقداً وخارج القطاع المصرفي.بلغ هذا البند نحو 2.3 مليار دولار عام 2025، فيما ظل عند مستويات مرتفعة خلال عام 2026، بالتزامن مع استمرار توسع اقتصاد الكاش، وفق بيانات مصرف لبنان وتحليلات المؤسسات المالية.لا تكمن المشكلة في وجود هذا البند بحد ذاته، بل في دلالته على أن جزءاً مهماً من عمليات تمويل الاقتصاد اللبناني والتجارة يجري خارج القنوات التقليدية.الفريش دولار… عودة جزئية إلى المصارفعلى الرغم من انهيار النموذج المصرفي القديم، ارتفعت ودائع الفريش دولار بنحو 900 مليون دولار، لتصل إلى حوالى 5.65 مليارات دولار في آب 2026، وفق وحدة الأبحاث الاقتصادية في بنك CREDIT LIBANAIS.لا تعني هذه الزيادة عودة الودائع القديمة أو استعادة الثقة الكاملة بالقطاع المصرفي. بل تشير، بحسب صحيفة النهار، إلى أن “جزءاً من الدولارات المحتفظ بها في المنازل بدأ بالانتقال تدريجياً وبشكل طفيف نحو المصارف التجارية، بعد فتح حسابات بالدولار “الفريش” تُستخدم في عمليات الدفع والتحويل والاستيراد”.كيف ظهر فائض ميزان المدفوعات؟سجّل ميزان المدفوعات اللبناني فائضاً فعلياً بلغ 844 مليون دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، وفق بيانات مصرف لبنان. فقد ارتفعت الموجودات الخارجية للنظام المالي اللبناني بنحو 1.426 مليار دولار،