لم ينجح مفتي الجمهورية، الشيخ عبد اللطيف دريان، في تأمين الدعم البيروتي الذي يلزمه. فدريان راهن على تحويل زيارة رئيس «اتحاد جمعيات العائلات البيروتية» وأعضائه لدار الفتوى، إلى غطاء يتدثَّر به بعدما فقدَ تأييد الأعضاء البيارتة في «المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى»، نتيجة مقاطعة 9 من أصل 10 أعضاء لجلساته، وإبلاغه من قِبل معظمهم أنهم لن يعودوا إلى الحضور إلّا بعد صدور القرار النهائي لمجلس شورى الدولة، بشأن الطعن المُقدّم في قرار التمديد له. هكذا، أدرك دريان سريعاً أن هدف المقاطعة هو سحب المشروعية البيروتية التي تشكّل أساس منصبه منه، خصوصاً أن المرسوم 291 الصادر في عام 1932، وتحديداً في عهد الرئيس شارل دباس، وبالاستناد إلى قرار المُفوّض السامي الفرنسي، أفضى إلى أن «مفتي بيروت يُلقَّب من الآن وصاعداً مفتي الجمهورية اللبنانية».وعليه، شكّلت مقاطعة الأعضاء البيارتة، باستثناء رئيس المحكمة الشرعية السنّية، محمد عساف، ضربة مُدوِّية لعائشة بكار، خصوصاً أن هؤلاء الأعضاء من مشارب سياسية مختلفة، إلى جانب أن بعضهم محسوبون على دريان نفسه، وبينهم عضوان مُعيَّنان من قِبل مفتي الجمهورية. كلّ ذلك، أَملى على دريان طلب النّجدة من «العائلات البيروتية»، التي لم يكن رئيس اتحادها، وليد كبي، متحمّساً لتلبيته. وهو ما ينفيه المعنيون داخل الاتحاد، الذين يردّون بأن اعتراض كبي ليس على زيارة دار الفتوى، وإنما على أن تكون الأولى بعد انتخاب هيئته الإدارية، زيارة رئيس الحكومة نواف سلام في البداية، كما حصل الشهر الماضي.في المقابل، يتردّد أن مفتي الجمهورية طلب مؤازرة بعض السياسيين لتقريب موعد الزيارة، من دون أن يفلح في ضمان حصولها في اليوم نفسه الذي عُقدت فيه جلسة المجلس الشرعي، التي لم يكتمل نصابها. وبدلاً من السبت الفائت، زار وفد الاتحاد عائشة بكار أمس، رغم استياء المعنيين منهم، من تأمين الدعم لدريان والوقوف في وجه خصومه، وبينهم فاعليات بيروتية. تكفّل كبي بأن تكون الزيارة إلى دار الفتوى بروتوكوليّة وألّا يتخللها كلام بشأن أزمة التمديد لمفتي الجمهورية وهو ما ينفيه هؤلاء، إذ يرفضون وضع زيارتهم في سياق مقاطعة أعضاء المجلس الشرعي لاجتماعاته، مؤكدين أن موعد الزيارة طُلب قبل موقف هؤلاء. كما يؤكدون عدم تدخّل أيّ من السياسيين لدى الكبي لتسريع زيارة دريان، خصوصاً أن الرئيس الجديد لـ«العائلات البيروتية» يرفض تحويل الاتحاد إلى منصة سياسية. حلّ وسطومع ذلك، لا ينكر هؤلاء أن بعض عائلات الاتحاد اعترضت على الزيارة. ولذا، أنتجت حنكة كبي حلاً وسطاً يلبّي مطلب دار الفتوى من دون أن يستفزَّ خصومها؛ فأعطى دريان صورة يتوسّط فيها 22 عضواً من الاتحاد، وفي الوقت عينه ألقى في بهو الدار كلمة لم يتطرّق فيها إلى أزمة التمديد أو يُعلِن فيها دعمه للمفتي. على العكس، فهم خصوم دريان تشديد كبي على مرجعية «دولة القانون والمؤسسات»، تأييداً لقرار مجلس الشورى، ما يعني دعماً لهم. وعليه، يؤكد المعنيون أنها «زيارة بروتوكولية». ولذا، طلبوا ممن سيشاركون في الوفد عدم إثارة أزمة التمديد خلال اللقاء، والاكتفاء بكلمة عامة غير إشكالية يلقيها كبي في الخارج.ولأن الحماسة لزيارة دريان لم تكن في أَوْجِها، قرّر المعنيون توسيع بيكار الدعوات ليشمل أعضاء الهيئة الإدارية والهيئة العامة. ومع ذلك، كان الحضور خجولاً ولم يتعدّ الـ 22 عضواً، بعدما توقّع الدّاعون أن يصل عدد المشاركين إلى نحو 50، علماً أن البعض يربط الحضور الخجول بالكثير من الأسباب، كالخلافات داخل الاتحاد وعدم الرضى عن أداء كبّي، كما تحديد الموعد عند الساعة الحادية عشرة صباحاً، أي حينما يكون الموظفون في أعمالهم، إلى جانب الاعتراض على الزيارة بحدّ ذاتها. للضغط على البلدية ودعم سلامفي المُحصّلة، جاءت الزيارة كما رسمها مسؤولو الاتحاد، ولم يتطرّق خلالها أيّ منهم، ولا حتى دريان نفسه، إلى أزمة عائشة بكار. على العكس، شدّد كبي خلال اللقاء على «أننا على مسافة واحدة من الجميع ولن نكون طرفاً»، من دون أن يُعرف ما إذا كان يقصد أزمة التمديد، ولا سيما أن حديثه جاء في الإطار العام. وعلمت «الأخبار» أن اللقاء الذي دام ساعة خاض في العموميات. وبعدما عرّف كبي دريان بأعضاء الوفد، ولخَّص الأزمة التي مرّ بها الاتحاد وانتهت بانتخابات هيئته الإدارية، دعاه المفتي إلى التركيز على العمل في الشأن العام وعدم الخوض في المعارك السياسية، ودعاهم في الوقت عينه إلى دعم رئيس الحكومة نواف سلام، لما يمثّل هذا المقام لدى الطائفة السنّية، وعلى صعيد الدولة اللبنانية.وتمنّى مفتي الجمهوريّة على الحاضرين أن يمارسوا ضغطاً على محافظ بيروت، مروان عبود، ورئيس بلدية بيروت، إبراهيم زيدان، بهدف المسارعة في تنفيذ مشاريع إنمائية في العاصمة، التي تعاني الإهمال، بسبب تقصير بلديتها.