تضع الاتصالات المتسارعة بين واشنطن وطهران، لبنان أمام اختبار سياسي جديد، أبعد من شموله بأي اتفاق مُرتقب لوقف الحرب الإقليمية، ويتصل بطبيعة الالتزامات الأميركية والإسرائيلية التي يمكن أن تنتج من هذا الاتفاق. فبعد تجربة حزيران الماضي، تقول إيران إنه لم يعد يكفي أن تحصل على تعهّد أميركي بوقف الحرب في لبنان، ما دام هذا التعهّد لا يقترن بآلية مُلزِمة للانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، وبضمانات تحول دون إبقاء الاحتلال قائماً تحت ذريعة نزع سلاح حزب الله وإزالة التهديدات الأمنية. وهذا ما يضع السلطة اللبنانية أمام مسؤوليات وطنية بمثابة اختبار مصيري آخر. وتستفيد إيران للتشدّد في موقفها حيال الملف اللبناني من ثلاثة تطورات متزامنة تضاف إلى ما أنجزته من ردع مباشر، وهي الانتخابات الإسرائيلية التي أفقدت بنيامين نتنياهو أكثريته البرلمانية وفتحت الباب أمام احتمال وصول غادي آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة، والانتخابات النصفية الأميركية التي يواجهها دونالد ترامب وسط تراجع شعبيته وتزايد الاعتراض على كلفة الحرب، وتعثّر المفاوضات المباشرة بين السلطة اللبنانية والعدو الإسرائيلي، وخصوصاً آخر جولاتها التي عُقدت في فلوريدا في 20 و21 تشرين الأول الماضي، من دون تحقيق اختراق في ملف الانسحاب. غير أن هذه التطورات، وإن كانت تعيد خلط الأوراق، لا تشير بالضرورة إلى تبدّل في الشروط الإسرائيلية، بل تفرض تحدّياً أكبر على إيران حول مدى قدرتها على الاستفادة من حاجة ترامب إلى اتفاق، ومن ضعف نتنياهو، لانتزاع تعهّد أميركي يجعل الانسحاب الإسرائيلي من لبنان التزاماً قابلاً للتنفيذ، مقابل الرؤية الأميركية التي تعرض ضمان وقف الأعمال الحربية، وتُبقي الانسحاب رهناً بالمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية وبالتقديرات الأمنية لتل أبيب. في هذا السياق، يبقى اتفاق الإطار الذي وقّعته السلطة اللبنانية، مع مُلحقه الأمني، جوهر المأزق الحالي بالنسبة إلى مصلحة لبنان، إذ يمكن - مرة جديدة - أن ينتهي القتال بين الولايات المتحدة وإيران، وأن يتراجع التصعيد على الجبهة اللبنانية، من دون أن يترجم ذلك انسحاباً إسرائيلياً. وهو ما يفسّر تمسك طهران، في خطابها التفاوضي، بربط إنهاء الحرب الإقليمية بالوضع في لبنان. ومع فقدان نتنياهو الأكثرية البرلمانية اللازمة لتشكيل حكومة، وما قد يترتّب على ذلك من إضعاف موقعه في مواجهة الضغوط الأميركية، إذا قرّر ترامب المضي في تسوية مع إيران تتضمن التزامات جديدة بشأن لبنان، تبرز مسؤولية الحكومة اللبنانية في استثمار هذه النافذة السياسية وعدم الاكتفاء بانتظار نتائج التفاوض الإقليمي. فالتغيير المُحتمل في إسرائيل، وما قد يتيحه من مرونة (تحت الضغط الأميركي) في التفاوض على انسحاب تدريجي، يفرضان على بيروت بلورة مبادرة دبلوماسية واضحة، تقوم على المُطالبة بجدول زمني مُلزِم للانسحاب الإسرائيلي، تقابله خطوات مُتدرِّجة ومُتزامِنة لتعزيز انتشار الجيش وبسط سلطة الدولة، ضمن ضمانات أميركية ودولية وآلية رقابة تحول دون إخضاع التنفيذ لشروط إسرائيلية متجدّدة. وانطلاقاً من لازمة الرئيسين عون وسلام حول السيادة، يقتضي ما سبق توحيد الموقف اللبناني حول ترتيب الالتزامات، والتحرك المباشر لدى واشنطن والأطراف المعنية بالتسوية، لضمان أن يكون لبنان شريكاً في تحديد شروط استعادة سيادته، لا مجرّد ساحة تُترجم فيها نتائج التفاهمات بين الآخرين. فمسؤولية الحكومة لا تقتصر على المُطالبة بالانسحاب، بل تشمل تقديم تصوّر عملي يجعل منه التزاماً قابلاً للتنفيذ، ويمنع ضياع فرصة سياسية قد لا تتكرر بالظروف نفسها، خصوصاً أن نجاح طهران في إدراج لبنان ضمن اتفاق لوقف الحرب قد يوفّر مظلة سياسية وأمنية لخفض التصعيد، لكنه لا يحل تلقائياً الخلاف الداخلي بشأن السلاح، ولا يعفي الدولة اللبنانية من مسؤولية بلورة مقاربة وطنية لاستعادة السيادة وبسط سلطتها على كامل أراضيها. في المقابل، فإن فصل الانسحاب عن التسوية الإقليمية، وإبقاءه ضمن التفاوض العسكري المباشر، يمنحان العدو القدرة على الاستمرار في ربط تنفيذ التزاماته بشروط أمنية مفتوحة، بحيث يصبح كل تقدّم في انتشار الجيش اللبناني مدخلاً إلى مطالب إضافية، بدلاً من أن يكون خطوة تقابلها إجراءات إسرائيلية محدّدة. وعليه، فإن ما يجري بين طهران وواشنطن وتل أبيب يضع لبنان أمام احتمالين مختلفين في نتائجهما، وإن تشابها في عنوان وقف الحرب. وهنا، تقول مصادر سياسية مواكبة، تبرز مسؤولية السلطة اللبنانية في مواكبة هذه التحوّلات والمبادرة إلى استثمار ما قد تتيحه من فرص سياسية ودبلوماسية، بدلاً من الاستمرار في الرهان الحصري على الوساطة الأميركية التي أظهرت تجربتها انحيازاً إلى المطالب الأمنية الإسرائيلية، وعجزاً عن إلزام تل أبيب بتنفيذ التزاماتها. فالمطلوب من بيروت، بحسب المصادر، ألَّا تبقى في موقع انتظا