تدخل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة شديدة الحساسية، بعدما كشفت تقارير صحافية أميركية وإسرائيلية أن الجيش الأميركي أصبح جاهزاً لتنفيذ هجوم واسع على إيران فور صدور القرار السياسي، في ظل حشود عسكرية ضخمة وانتشار ثلاث حاملات طائرات في المنطقة، فيما يواصل الرئيس دونالد ترامب التريث في إعطاء الضوء الأخضر، وسط مفاوضات تجري في اللحظات الأخيرة لتفادي انفجار عسكري جديد. وبحسب تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، فإن الاستعدادات الأميركية بلغت مستوى يسمح ببدء العمليات العسكرية اعتباراً من انتهاء انتخابات منتصف الولاية الأميركية، بعدما عززت واشنطن انتشار قواتها في الشرق الأوسط، وأرسلت مزيداً من طائرات التزوّد بالوقود والشحن والمراقبة، بالتوازي مع إعداد الخطط العملياتية اللازمة لاستئناف الضربات ضد أهداف إيرانية. وتشير الصحيفة إلى أن ترامب حرص خلال الأشهر الماضية على تجنب استئناف الحرب قبل الانتخابات الأميركية، في ظل عدم شعبية المواجهة العسكرية مع إيران لدى قطاعات من الرأي العام الأميركي. لكن انتهاء الاستحقاق الانتخابي يعيد فتح الباب أمام اتخاذ قرار عسكري، خصوصاً أن القوات الأميركية باتت في أعلى درجات الاستعداد. ورغم هذه التطورات، لا يبدو أن قرار الهجوم قد اتُخذ بعد. فقد أكد ترامب، في مقابلة مع صحيفة "فايننشال تايمز"، أن واشنطن لا تملك خطة فورية لضرب إيران، مشدداً في الوقت نفسه على أن قواته جاهزة للتحرك إذا اقتضت الضرورة، وأن المفاوضات الجارية قد تجعل استخدام القوة غير ضروري. ويعكس هذا الموقف استمرار سياسة الضغط المزدوج التي تعتمدها الإدارة الأميركية، عبر الجمع بين التهديد العسكري والضغوط الاقتصادية والمفاوضات الدبلوماسية، في محاولة لانتزاع تنازلات إيرانية من دون الاضطرار إلى خوض مواجهة واسعة جديدة. وفي إسرائيل، تتواصل الاستعدادات لاحتمال تجدد الحرب، حيث أفادت "يديعوت أحرونوت" بأن الجيش الإسرائيلي في حالة جهوزية قصوى دفاعياً وهجومياً، فيما يجري رئيس الأركان إيال زامير مشاورات متواصلة بشأن السيناريوهات المحتملة. ولفتت الصحيفة إلى أن زامير كان قد عارض، وفق تقارير سابقة، تنفيذ هجوم قبل الانتخابات، فيما لم يعقد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حتى الآن اجتماعاً للحكومة أو المجلس الوزاري الأمني المصغر لمناقشة التطورات الأخيرة، في وقت تعيش فيه إسرائيل أزمة سياسية بعد الانتخابات. وتزداد تعقيدات المشهد مع احتمال اندلاع مواجهة عسكرية بالتزامن مع مفاوضات تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، وسط صعوبات يواجهها نتنياهو في الحفاظ على السلطة، ومحاولات يقودها معسكر غادي آيزنكوت لتشكيل حكومة بديلة. أما على الجبهة الدبلوماسية، فلا تزال الاتصالات بين واشنطن وطهران مستمرة، رغم عدم تحقيق اختراق حاسم. ونقلت الصحيفة عن الجانب الإيراني مجموعة مطالب تتضمن إنهاء الحرب على مختلف الجبهات، ولا سيما في لبنان وغزة، ورفع العقوبات والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، والحصول على تعويضات وضمانات أمنية تحول دون تجدد الهجمات. كما تتمسك طهران بمطالب تتعلق بمضيق هرمز والترتيبات الأمنية في الخليج، في حين ترفض واشنطن الاعتراف بالسيادة الإيرانية على المضيق، وتصر على معالجة ملف اليورانيوم المخصب والبرنامج النووي الإيراني. وفي موازاة ذلك، تواصل قطر جهود الوساطة لتقريب وجهات النظر، وسط تقارير عن مقترحات تتضمن تنازلات إيرانية في الملف النووي مقابل الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة. غير أن هذه الطروحات لم تتحول بعد إلى اتفاق معلن. وتكتسب هذه التطورات أهمية مباشرة بالنسبة إلى لبنان، في ظل ارتباط الجبهة الجنوبية بحسابات المواجهة الإقليمية، خصوصاً بعد تقارير إسرائيلية تحدثت عن طلب نقلته تل أبيب إلى الحكومة اللبنانية عبر الوساطة الأميركية، يتصل باتخاذ الجيش اللبناني إجراءات في مناطق وجود عناصر "حزب الله" لمنع انخراطه في أي حرب جديدة مع إيران. وتخشى الأوساط الإقليمية من أن يؤدي انهيار المفاوضات الأميركية الإيرانية إلى توسيع نطاق المواجهة، مع احتمال انتقال التصعيد إلى أكثر من جبهة، بينها لبنان واليمن، وإن كانت هذه السيناريوهات لا تعني صدور قرار فعلي بفتحها. وفي واشنطن، تفرض نتائج انتخابات الكونغرس حسابات إضافية على ترامب، خصوصاً إذا أدت إلى تعزيز قدرة الديمقراطيين على معارضة سياساته العسكرية. إلا أن الكونغرس الجديد لن يتسلم صلاحياته قبل الثالث من كانون الثاني، ما يترك أمام الرئيس الأميركي هامشاً زمنياً للتحرك وفق الصلاحيات المتاحة له. وبين الجاهزية العسكرية غير المسبوقة والمفاوضات التي لم تصل إلى نتائج حاسمة، تقف إيران أمام مرحلة دقيقة، فيما يبقى القرار النهائي في يد ترامب، الذي يواصل التلويح باستخدام القوة من دون تحديد موعد للهجوم. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس م