بعد اجتياح النورماندي، إبان نهاية الحرب العالمية الثانية، أراد الحلفاء مواصلة الهجوم باتجاه الأراضي الألمانية وترك تحرير مدينة باريس إلى فترة لاحقة. ولكن الجنرال ديغول أصر على تحرير باريس أولاً وأمر الفرقة المدرعة الثانية بقيادة الماريشال لوكلير بالتوجه إلى العاصمة الفرنسية لأنه كان يدرك أنه إذا استطاع الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي كان في أوج قوته آنذاك، تحرير باريس من الداخل، قبل وصول قوات فرنسا الحرة التابعة لديغول، فسوف ينال، أي الحزب الشيوعي، مصداقية عظيمة و شعبية كبرى لدى الشعب الفرنسي، مما سيخوّله النجاح في الانتخابات الآتية و استلام الحكم. يجب أن يكون هذا الدرس التاريخيّ أساسًا في المفاوضات التي تقوم بها الدولة اللبنانية مع اميركا و اسرائيل. انها ورقة قوة للدولة اللبنانية التي عليها تفسير جدوى انسحاب اسرائيل من لبنان، بفضل المفاوضات مع الشرعية اللبنانية حصرا، إلى الاميركيين أولا (الذين ينقصهم في معظم الأحيان البعد التاريخي) و من ثم إلى الاسرائيليين ( الذين يسيطر عليهم شعور العنجهية). عاجلا أم آجلا ستضطر اسرائيل للانسحاب من لبنان، لا محالة. التاريخ الحديث يبرهن أن لبنان مستنقع لجيشها. قد تكسب جولة هنا او هناك ولكن الأمد الطويل لن يكون لمصلحتها. أو قد تجبر للرضوخ إلى الضغوط الاميركية بالانسحاب، في حال عاد الأميركيون إلى الاتفاق مع ايران قسرا لتجنيب العالم انهيار اقتصادي و مالي و شيك. إذا الخيار هو الآتي، إما برمجة انسحاب اسرائيلي جدي و سريع، بفضل المفاوضات مع الدولة اللبنانية، يمنح الدولة المصداقية اللازمة للتعامل مع المكون الشيعي و تبيان جدوى التفاوض السلمي الذي يعطي النتائج المثمرة، بعيدا عن الحرب و القتل و الدمار. هذا الخيار يناقض منطق حزب الله و المقاومة و يضع الشرعية اللبنانية في موقع القوة بالنسبة للحزب، لا سيما لدى الشيعة، الذين يعانون الأمرين من الوضع الحالي. يجب قلب المنطق الاسرائيلي في المفاوضات رأسا على عقب. شرط القضاء على حزب الله (مهمة مستحيلة على كل حال) ليتم تأمين الانسحاب الاسرائيلي يوصل إلى حائط مسدود. ولكن الانسحاب الاسرائيلي اولاً سيمكن الدولة اللبنانية و المجتمع اللبناني من إضعاف الحزب خصوصا عند الشيعة و إظهار عدم فائدة استمراره كقوة عسكرية. لا سيما و أن إضعاف الحزب سيؤدي إلى فتح الباب على مصراعيه أمام تمويل اعادة الإعمار و المساعدات الاقتصادية و المالية. و لكن ماذا عن الضمانات الأمنية لاسرائيل التي تتذرع بها من اجل بقاء قواتها في جنوب لبنان؟ قدمت عدة مقترحات مفيدة في هذا المجال كنشر قوات الناتو على الحدود (توماس فريدمان في صحيفة النيو يورك تايمز) او قوات اممية تحت الفصل السابع (النائب جميل السيد). الخيار الثاني في حال عدم تجاوب اسرائيل للخيار الأول، هو المزيد من القتل، بما فيه الجنود الاسرائيليين و سكان المستوطنات، و حالة حرب دائمة و تحول لبنان إلى مستنقع جديد سوف ينتهي بسحب القوات الاسرائيلية كما في العام ٢٠٠٠، او انسحاب قسري تحت ضغط الولايات المتحدة لإنهاء الحرب مع ايران و تجنيب العالم أزمة اقتصادية كبرى. في كلتا الحالتين، الفضل سيرجع إلى ايران و حزب الله الذي سوف يعود احكام سيطرته على كل مفاصل الدولة اللبنانية و يبقى خطرا وجوديا على حدود اسرائيل. يقال أن الدولة اللبنانية لا تملك أوراق ضغط في مفاوضاتها مع اسرائيل. قد يكون ذلك صحيحا ولكن إذا استعنا بالتاريخ مجددا نجد أن العديد من البلدان التي كانت في مواقف ضعيفة جدا تمكنت من اللعب على التناقضات بين الدول و الخطر المحدق بها لاستعادة كيانها و وأهميتها. المستشار الألماني اديناور، بعد هزيمة ألمانيا الهتلرية، حرر بلاده من سيطرة الحلفاء المباشرة و أسس الجمهورية الفدرالية، مستعينا بخوفهم من الشيوعية و سقوط ألمانيا الغربية تحت هيمنة الاتحاد السوفييتي. نحن اليوم في وضع مماثل إذا ابدلنا الاتحاد السوفييتي بايران. أمامنا فرصة تاريخيّة لإنهاء وضع لبنان الشاذ والتحرر من تأثيرات القوى الخارجية التي تعاقب نفوذها على ارضنا بشكل مباشر او غير مباشر. لقد آن الأوان ان يعيش لبنان حياة طبيعية كريمة. الطريق طويلة و شاقة ولكن وضع استراتيجية دبلوماسية واضحة تظهر فوائد الخيار الأول على جميع الفرقاء قد يوصلنا إلى بر الأمان.