سوريا بوابة رئيسية لإعادة تشكيل التوازنات في المشرق العربي ودول الجوار.لا تُقاس القيمة الاستراتيجية للموقع الجغرافي بمجرد ما يتيحه من منافذ بحرية أو فرص للانضمام إلى مشاريع دولية، بل بقدرة الدولة على إدماجه في شبكة المصالح والممرات والأسواق المحيطة بها. ومن هنا، يطرح انضمام مرفأي بيروت وطرابلس إلى نادي موانئ ممر الهند– الشرق الأوسط– أوروبا (IMEC) سؤالاً جوهرياً: هل يستند التحرك اللبناني إلى رؤية متكاملة للتحولات الإقليمية، أم يكتفي بإعلان الحضور فيما تتحدد مسارات التجارة والنقل والطاقة من حوله، في ظل إعادة تشكيل الترابطات الجيوسياسية وموازين القوى والتحالفات في المشرق العربي؟ تحتل سوريا في هذا الحساب موقعاً لا يمكن تجاوزه؛ فهي المدى الحيوي البري للبنان، وبوابته إلى الأسواق العربية، وامتداده نحو العراق وتركيا وأوروبا. ولا تستطيع المرافئ اللبنانية تحويل موقعها البحري إلى ميزة مستدامة من دون شبكات نقل برية ومعابر مستقرة واتفاقات تسهّل حركة السلع والاستثمارات. ولا يعني ذلك منح دمشق حق النقض على خيارات بيروت، بل الإقرار أن استقلال القرار اللبناني يتطلب التنسيق حين تتداخل المصالح الجغرافية والاقتصادية. أولاً: مطار القليعات واتفاق استجرار النفط العراقي إلى بانياس: دلالات المجال الحيوي السوري تعكس قضية إعادة تفعيل مطار القليعات أهمية العامل السوري في حسابات المشاريع اللبنانية ذات الامتدادات الإقليمية. فجدوى هذه المشاريع لا تتحدد بالقرار الداخلي وحده، بل تتأثر بالبيئة السياسية والجغرافية المحيطة ومدى قدرة لبنان على بناء علاقات تعاون مع دول الجوار. ويكتسب اتفاق استجرار النفط العراقي إلى بانياس دلالة إضافية، إذ يكشف أن الممرات الاقتصادية وشبكات الطاقة لا تُبنى على الاعتبارات الجغرافية وحدها، بل تستلزم تفاهمات سياسية واتفاقات مسبقة. ومن هذا المنظور، لا يمثل التنسيق مع دمشق تفصيلاً ديبلوماسياً لاحقاً لإطلاق المشاريع اللبنانية، بل شرط لتقدير إمكاناتها الإقليمية وتحديد مساراتها ومصالحها المشتركة. وينطبق ذلك على المرافئ؛ فالتنافس في ما بينها يرتبط بقدرتها على خدمة الأسواق والاتصال بشبكات الطرق والسكك الحديد والمعابر. وإذا استعادت سوريا دورها ممراً يربط الخليج بالعراق وتركيا وأوروبا، فقد يتيح ذلك للبنان فرصاً جديدة، لكنه قد يزيد المنافسة أيضاً إذا لم يؤسس علاقته بهذا المسار على التكامل وتبادل المصالح. لذلك، تتمثل المصلحة اللبنانية في التفاوض مع دمشق على كيفية الاستفادة من شبكات النقل والطاقة الإقليمية، لا في الاعتراض على تنامي دورها. فالمدى الحيوي ليس مجالاً للهيمنة بالضرورة، بل فضاء تتحدد قيمته بقدرة الدول المتجاورة على تنظيم مصالحها وشبكاتها الاقتصادية العابرة للحدود. ثانياً: دخول لبنان نادي الموانئ: إعلان نيات متسرّع لا يرتقي إلى ضمانة للاندماج في الممر في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر 2026، وقّع مرفآ بيروت وطرابلس الإعلان المشترك للانضمام إلى "نادي موانئ IMEC" في نيودلهي. لكن ينبغي التمييز بين الانضمام إلى هذا النادي والمشاركة التنفيذية في الممر الاقتصادي نفسه. فالنادي منصة للتعاون وتبادل الخبرات، ولا يعني توقيعه أن لبنان أصبح طرفاً في مذكرة التفاهم الحكومية الأصلية للممر، أو أن مساره التنفيذي سيعبر الأراضي اللبنانية، أو أن الاستثمارات ستتجه تلقائياً إلى مرفأيه. ومن ثم، فإن تعزيز دور لبنان في التجارة الإقليمية والدولية يتطلب رؤية للممرات التي قد تربط الخليج بسوريا وتركيا وشرق المتوسط. وإذا تطورت مسارات برية بديلة أو مكملة للممر الأصلي عبر سوريا، فقد يؤدي تجاهلها إلى إضعاف قدرة المرافئ اللبنانية على استقطاب حركة التجارة. ولا يفترض ذلك وجود رؤية سورية وعربية موحدة ونهائية للممرات، أو أن المسارات المقترحة ستتحقق حتماً. بل يستدعي التشاور مع دمشق والعواصم العربية المعنية، وتحديد موقع مرفأي بيروت وطرابلس في الخيارات المطروحة. فالانضمام إلى منصة تعاون لا يعوّض غياب استراتيجية للربط البري واللوجستي، ولا يحوّل المشاركة تلقائياً إلى مصلحة وطنية. ثالثاً: الممرات الاقتصادية والسككية والطرقية في صميم التنافس الإقليمي والدولي لا يمكن قراءة IMEC بمعزل عن التنافس بين القوى الكبرى. فالمشروع الذي يربط الهند بالخليج وأوروبا يحمل أبعاداً تجارية ولوجستية، لكنه يرتبط أيضاً بحسابات الولايات المتحدة بشأن سلاسل الإمداد، وموقع الهند في الاقتصاد العالمي، والتنافس مع الصين ومبادرة "الحزام والطريق". وفي المقابل، تتيح الجغرافيا السورية إمكان بحث مسارات تربط الخليج بالعراق وسوريا وتركيا وصولاً إلى أوروبا. وقد تكمل هذه المسارات شبكات النقل الإقليمية أو تنافس بعضها، بحسب خيارات الدول المعنية. أما التوفيق بين المشاريع العربية والصينية، فهو احتمال يستحق الدراسة