من صناديق الاقتراع في الولايات المتحدة إلى حسابات الحرب في الشرق الأوسط، تتجاوز تداعيات الانتخابات النصفية الأميركية حدود المنافسة بين الجمهوريين والديمقراطيين لتطرح تساؤلات عن مستقبل المواجهة مع إيران، وانعكاساتها على لبنان الذي قد يجد نفسه مجدداً في قلب صراع إقليمي واسع. فالانتخابات تشكّل اختباراً سياسياً للرئيس دونالد ترامب، وقد تعيد رسم موازين القوى داخل الكونغرس. وفي حال تمكّن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية في مجلس النواب، فقد يواجه ترامب ضغوطاً سياسية ورقابة أشد على قراراته العسكرية ولا سيما في ما يتعلق بكلفة الحرب وتمويلها، أما احتفاظ الجمهوريين بالأغلبية، فقد يمنحه هامشاً أوسع للتحرك، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التوجه نحو التصعيد. وفي الحالتين، تبقى إيران في صلب الحسابات الأميركية، خصوصاً في ظل تعثر المفاوضات والخلافات حول الملف النووي والعقوبات، وسط تساؤلات عما إذا كان ترامب سيسعى بعد الانتخابات إلى تحقيق اختراق دبلوماسي يقدّمه بوصفه انتصاراً سياسياً، أم سيختار التصعيد العسكري لفرض شروطه على طهران. وفي موازاة ذلك، تتصاعد في إسرائيل الدعوات إلى تغيير أهداف أي مواجهة مقبلة مع إيران، بحيث لا تقتصر على توجيه ضربات عسكرية أو إعادة طهران إلى طاولة المفاوضات، بل تمتد إلى إسقاط نظام الحكم فيها وهو طرح يعكس توجهاً لدى بعض الأوساط الأمنية الإسرائيلية وليس قراراً رسمياً معلناً. أما لبنان، فيحضر في قلب هذه الحسابات، لا على هامشها فأي مواجهة أميركية إسرائيلية واسعة مع إيران قد تدفع حزب الله إلى التدخل عسكرياً، بما يفتح الباب أمام تجدد الحرب على الجبهة اللبنانية، في وقت لا يزال فيه لبنان يواجه أزمات اقتصادية وسياسية وتحديات إعادة الإعمار. وفي المقابل، تراهن بعض القراءات الإسرائيلية على أن إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه قد يؤدي إلى تراجع الدعم المقدم إلى حزب الله، وبالتالي تغيير موازين القوى الداخلية والإقليمية. إلا أن هذا الرهان لا يلغي خطر أن تؤدي محاولة إسقاط النظام إلى حرب متعددة الجبهات تشمل لبنان والعراق واليمن ودول الخليج، مع احتمال استهداف منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية. وهنا تكمن المفارقة، فبينما تسعى إسرائيل إلى إضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة، قد يؤدي توسيع الحرب إلى إشعال جبهات جديدة وزيادة المخاطر على لبنان، حتى لو لم يكن طرفاً مباشراً في القرار الأميركي بالتصعيد. وبين نتائج الانتخابات الأميركية وحسابات ترامب السياسية والرهانات الإسرائيلية على تغيير النظام الإيراني، يبقى لبنان أمام مرحلة دقيقة، تتداخل فيها فرص التسوية مع احتمالات المواجهة فهل تدفع نتائج الانتخابات واشنطن نحو تسوية تُبعد شبح الحرب عن لبنان، أم تمنح المرحلة المقبلة زخماً لمواجهة إقليمية جديدة يكون لبنان إحدى أبرز ساحاتها؟..