واشنطن وطهران... بينهما الدوحة وشبح الحرب الملالي يسجنون ترامب في لوحة ويشنقون أبناءهم (أ ف ب) في ساحة تجريش شمال طهران، يحتاج النظام الإيراني إلى ممثّل وزنزانة كي يعرض على المارّة مشهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أسيرًا. وفي ساحة انقلاب في العاصمة الإيرانية أيضًا، تكفّلت لوحة عملاقة بالمهمّة: الرئيس الجمهوري خلف القضبان، مطأطئ الرأس، وفوقه عبارة "سنقتل ترامب". أمّا في جزيرة قشم، عند مضيق هرمز، فكان ليل الاثنين أقسى على صنّاع هذه الدعاية التافهة. هناك، استهدفت ضربات أميركية وصفتها واشنطن بـ "الدفاعية" منشأة مضادّة للطائرات قال ترامب إنّ قوّاته ضربتها ما إن فرغ الإيرانيون من بنائها. على وقع الضربات، يواصل الوسيط القطري مسعاه لتفادي تصعيد جديد بعد الانتخابات النصفية الأميركية. عاد الوفد إلى الدوحة بعدما أمضى أكثر من ثلاث ساعات في طهران يناقش مسوّدة اتفاق يجري التفاوض عليها منذ ثمانية أيام. وبحسب الخارجية القطرية، يدرس الطرفان مقترحات الوسطاء على أمل التوصّل إلى اتفاق مرحلي يمهّد لمفاوضات لاحقة. حتى هذا السقف المتواضع يبدو بعيدًا. فمسؤول إيراني رفيع أقرّ لوكالة "رويترز" باتّساع هوّة الخلاف، من دون أن يحدّد موعدًا للردّ على المقترح الأخير. وتكشف الشروط الإيرانية كيف حوّلت طهران حرّية الملاحة في هرمز إلى أداة ابتزاز. فهي تعرض إعادة فتح المضيق في غضون يومين إذا وافقت واشنطن على مطالب تشمل رفع العقوبات النفطية، وإنهاء الحصار البحري، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة. ويصرّ أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي على تنفيذ الشروط السبعة كاملة، ويؤجّل أيّ بحث في الملفّ النووي إلى ما بعد تلبيتها، كما اعتبر أنّ الردّ الأميركي على مطالب بلاده لم يكن مقنعًا. وبذلك، تريد طهران أن تستعيد عائدات نفطها وأموالها، وأن تدخل المفاوضات من موقع أقوى، قبل أن تقدّم التزامًا واحدًا في ملفّها النووي. وفي خضمّ مساعي التهدئة، أفادت "نيويورك تايمز"، نقلًا عن مصادر أميركية وإقليمية، بأنّ إسرائيل أطلعت واشنطن على معلومات استخباراتية تشير إلى أنّ طهران تدرس احتمال استخدام أسلحة كيماوية ضدّ خصومها، وشاركت بعض هذه المعلومات مع جهات خليجية. وأثارت المعلومات مخاوف لدى بعض المسؤولين الأميركيين، فيما تلقّاها آخرون بـ "شكوك كبيرة". ويرى بعضهم فيها جزءًا من "حملة ضغط" تقودها حكومة بنيامين نتنياهو لدفع إدارة ترامب إلى استئناف العمليات القتالية الواسعة ضدّ إيران. وفي طهران، للملالي خطابان. ففي ساحة انقلاب، ملصق يتوعّد ترامب بالقتل، وعلى لسان الرئيس مسعود بزشكيان تحذيرٌ من حربٍ لن يستفيد من عودتها أحد. لكنّ ما يكشفه بزشكيان عن المفاوضات أبلغ من التحذير نفسه. فالمرشد أذن أخيرًا لحكومته بالتفاوض في مسائل كان مجرّد الخوض فيها محظورًا. هكذا يريد الملالي للإيرانيين أن يصدّقوا تهديدًا بقتل رئيس أقوى دولة في العالم، فيما يعرفون، بشهادة رئيسهم، أنّ كلمةً واحدة من المرشد كانت تكفي لفتح بابٍ ظلّ موصدًا أمام الدبلوماسية. ويبقى الخلاف مع واشنطن أعمق من أن تحسمه مهلة اليومين. فطهران تحدّد الوقت الذي يستغرقه فتح المضيق، وتترك السؤال الأصعب معلّقًا: مَن يخطو أوّلًا، وأيّ ضمانة يحصل عليها كلّ طرف قبل أن يتخلّى عن ورقة الضغط التي في يده؟ وفيما أبقت السلطة الإيرانية الوسطاء ينتظرون جوابها، مضت في تنفيذ أحكام الإعدام بحقّ مواطنيها. فقد شنقت أمس أمير حسين ملكي وأمير حسين إبراهيمي في قضيّة مقتل أربعة شرطيين خلال احتجاجات أصفهان. وأعلنت السلطة القضائية أنّ المحكمة العليا أيّدت الحكمين، فيما ندّدت منظّمة "إيران هيومن رايتس" بالتعذيب وانتزاع الاعترافات، وأحصت 36 إعدامًا في الأشهر الأخيرة على خلفية الاحتجاجات. وتلك أزمة الملالي التي ستبقى حتى لو نجحت المساعي الدبلوماسية. ففي آخر النهار، يغادر الممثّل الذي يؤدّي دور ترامب زنزانته في تجريش ويعود إلى بيته. أمّا في أصفهان، فتنتظر ثلاث عائلات إيرانية أخرى مصير أبنائها المهدّدين بالشنق في القضيّة نفسها.