حاول الجيش اللبناني، في مناسبتين على الأقل، لفت الانتباه إلى حدود ما يمكن تنفيذه. المناسبة الأولى كانت عندما استخدم، في أواخر عام 2025، تعبير "السيطرة العملانية" جنوب الليطاني، ولم يعلن إنجاز المهمة أو فرض السيطرة الكاملة. وكلّ عسكري يدرك الفرق بين المصطلحين. فالسيطرة العملانية لا تعني بالضرورة القضاء على جميع التهديدات، أو نزع كلّ الأسلحة غير الشرعية، أو إحكام السيطرة على كلّ شبر من الأرض. وفي تقديري، كان في اختيار هذا المصطلح رسالة واضحة: لقد حقّق الجيش مستوى من السيطرة ضمن إمكاناته ومهماته، لكنّ ذلك لا يعني اكتمال استعادة السيادة أو تحقيق حصرية السلاح. أمّا المناسبة الثانية، فكانت في التسجيل المصوّر الذي نشره الجيش عقب انتشاره في زوطر الغربية، وأشار فيه إلى تفتيش ثمانية منازل بموافقة أصحابها. لماذا التشديد على موافقة أصحاب المنازل؟ أرى في ذلك إشارة تستحقّ التوقّف عندها. فالجيش كان يبيّن حدود الإجراءات التي نفّذها، وربما يلفت الانتباه إلى القيود القانونية التي تواجه عمليات التفتيش داخل الممتلكات الخاصة، ولا سيّما في المناطق التي يُشتبه باستخدام بعض ممتلكاتها المدنية لإخفاء أسلحة غير شرعية. ولا يعني ذلك أنّ الجيش يفتقر إلى جميع صلاحيات التفتيش، بل إنّ ممارسة هذه الصلاحيات تتطلّب سندًا قانونيًا وإجراءات محدّدة، خصوصًا عندما يتعلّق الأمر بحرمة المنازل والحقوق التي يحميها القانون، خصوصًا أنّنا نعلم أنّ قوى محور إيران-حزب الله-أمل تتّخذ من البيئة الحاضنة غطاءً لانتشارها وتنفيذ عملياتها غير المشروعة. وهذا يعيدنا إلى ضرورة توفير التكليف القانوني المناسب، بدل الاكتفاء بإعلان القرارات السياسية. لكنّني، إذ أحمّل السلطة التنفيذية مسؤولياتها، لا أدافع عن الجيش ولا أعفي قيادته من مسؤولية إصلاح المؤسسة العسكرية. فالجيش اللبناني يحتاج إلى إعادة النظر في بنيته وتنظيمه بما يتلاءم مع طبيعة التهديدات والمهمات السيادية المطلوبة منه. ومن المسائل التي تستوجب معالجة جدّية الاختلال في التمثيل الوطني داخل الوحدات القتالية، ولا سيّما التدنّي الشديد في نسبة العسكريين المسيحيين والدروز فيها. وهذه مسألة لا تتعلّق بالتوازن العددي فحسب، بل بالثقة الوطنية بالمؤسسة العسكرية وقدرتها على تمثيل المجتمع الذي تدافع عنه. كما أنّ المطلوب اليوم ليس زيادة عديد الجيش عبر إعادة العمل بالخدمة العسكرية الإلزامية، التي تستغرق وقتًا طويلًا لتدريب المجنّدين وتأهيلهم وتجهيزهم، وقد تنتهي مدّة خدمتهم قبل بلوغهم الجهوزية العملياتية المطلوبة. والأجدى هو استدعاء عناصر الاحتياط المؤهّلين للاستفادة من تدريبهم السابق وخبراتهم العسكرية، وإعادة تأهيلهم خلال فترة أقصر، بما يعزّز الفعالية العملياتية للجيش ويسمح بتشكيل وحدات محلية ترتبط بالمناطق التي تنتشر فيها، وتساهم في تعزيز الأمن وحماية السكان، وتتيح للوحدات القتالية التركيز على مهماتها الأساسية. ويجب أن تترافق هذه الخطوة مع إعطاء الأولوية لضبط الحدود اللبنانية السورية، وإعادة تنظيم منظومة التخطيط والقيادة والسيطرة، وإنشاء قيادات قتالية تكتيكية وعملانية قادرة على التخطيط المشترك، وتنسيق العمليات، وتوظيف الموارد بفعالية، والاستجابة السريعة للتهديدات. فالجيش لا يحتاج إلى المزيد من العناصر، بل إلى بنية قيادية وعملانية أكثر فاعلية، وإلى تنظيم يستجيب لمتطلّبات الأمن الوطني، وإلى قرار سياسي يحدّد بوضوح ما هو مطلوب منه. ومن هنا، أدعو السلطة التنفيذية إلى اعتماد استراتيجية وطنية متكاملة، توظّف الوسائل الدبلوماسية والسياسية والقانونية والاقتصادية والعسكرية، وتبدأ، في شقّها الأمني، بخطة متدرّجة قابلة للتنفيذ والقياس. ويمكن أن تكون المنطقة الممتدّة بين الزهراني والليطاني وجزّين نقطة انطلاق، من خلال إصدار مرسوم يكلّف الجيش بالمحافظة على الأمن فيها وفق المادة الرابعة من قانون الدفاع الوطني، لمدّة مقترحة تبلغ تسعين يومًا قابلة للتمديد وفق الأصول، مع تحديد المهمات والأهداف، والموارد، وآليات المتابعة والمساءلة. ويُصار بعدها إلى تقييم النتائج وتوسيع نطاق العمل تدريجيًا، أو اللجوء إلى إجراءات قانونية أخرى إذا توافرت شروطها المستقلّة. إنّ مسؤولية السلطة التنفيذية لا تنتهي عند إعلان قرار حصرية السلاح، بل تبدأ منه. وعليها أن تترجم القرار إلى مرسوم تكليف حيث يفرضه القانون، وأن توفّر للجيش الصلاحيات اللازمة، وأن تراقب التنفيذ وتحاسب على النتائج. وفي المقابل، تقع على قيادة الجيش مسؤولية تطوير قدراته، ومعالجة اختلالاته البنيوية، ورفع جهوزيته، وتقديم الخطط والاحتياجات والخيارات العملانية بوضوح وشفافية. فلا يجوز للسلطة التنفيذية أن تختبئ خلف الجيش لتبرير تردّدها، ولا للجيش أن يختبئ خلف السلطة السياسية لتبرير أي تقصير يقع ضمن صلاحياته ومسؤولياته.