شكّل لبنان لعقود مركزًا طبيًا واستشفائيًا بارزًا في المنطقة، مستندًا إلى جامعاته ومستشفياته وكفاءاته المتخصصة. لكن الانهيار الاقتصادي والمالي منذ عام 2019 أحدث تحولًا عميقًا في أوضاع العاملين الصحيين، ودفع آلاف الأطباء والممرضين إلى البحث عن فرص عمل واستقرار خارج البلاد. وتكشف الدراسات المستندة إلى سجلات نقابتي الأطباء في بيروت وطرابلس وجود 15.059 طبيبًا مسجلًا عام 2023، منهم 10,344 طبيبًا اختصاصيًا و4,715 ضمن فئات الرعاية الأولية. غير أن المسجلين لا يمثلون بالضرورة الأطباء المقيمين والممارسين في لبنان. كما تُظهر المؤشرات المتاحة تفاوتًا ملحوظًا في تقديرات كثافة الأطباء في لبنان وتوزيعاتهم الجغرافية بحسب المصدر والسنة المرجعية. فقد سجلت منظمة الصحة العالمية ٢٦٫٨ طبيبًا لكل ١٠٬٠٠٠ نسمة عام ٢٠٢٢، بينما أوردت وزارة الصحة العامة اللبنانية ٤٤٫٨ طبيبًا لكل ١٠٬٠٠٠ نسمة عام ٢٠٢٤. غير أن هذه المؤشرات لا تعكس بالضرورة عدد الأطباء الممارسين فعليًا والمتاحين لتقديم الخدمات الصحية، ولا تكشف التفاوت في توزيعهم الجغرافي والتخصصي. وتشير التقديرات النقابية إلى مغادرة نحو 3.500 طبيب منذ بداية الأزمة، فيما قدّرت وزارة الصحة العامة أن الهجرة طاولت نحو 40% من الأطباء وأكثر من 20% من الجسم التمريضي. وتعكس هذه المؤشرات، رغم اختلاف سنواتها وطرق احتسابها، حجم الاستنزاف الذي أصاب القطاع الصحي. ولذلك لا ينبغي قياس تداعيات الهجرة بعدد الأطباء المغادرين فقط، بل أيضًا بحسب اختصاصاتهم ومواقع عملهم، ومدى قدرة المستشفيات والمراكز الصحية في مختلف المحافظات على تعويضهم. تتوزع الكفاءات الطبية اللبنانية بين ثلاث مناطق استقبال رئيسية: دول الخليج العربي، وأوروبا، وأميركا الشمالية، إضافة إلى أستراليا. وتبرز السعودية والإمارات وقطر وعُمان، إلى جانب العراق، وجهات لاستقطاب الأطباء الاختصاصيين بعقود عمل وأجور أعلى. وتتداول تقديرات انتقال 1.200-1.500 طبيب إلى الخليج والعراق بعد 2019، لكن هذا النطاق لا يستند بعد إلى سجل منشور شامل، ولذلك يُستخدم بوصفه تقديرًا تقريبيًا. وفي أوروبا، تُظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) وجود 721 طبيبًا مرتبطًا بلبنان في فرنسا عام 2024، و367 في ألمانيا، و119 في بلجيكا، فيما بلغ العدد 143 في المملكة المتحدة عام 2025. وتكشف السجلات الألمانية الوطنية عن 445 طبيبًا يحملون الجنسية اللبنانية عام 2025، منهم 406 يمارسون المهنة. أما الولايات المتحدة، فقد وثّقت دراسة علمية وجود 2.710 أطباء من خريجي كليات الطب اللبنانية عام 2004، بينهم 505 في مرحلة الإقامة الطبية. وتتداول تقديرات أوسع وجود 3.500-4.000 طبيب من أصول لبنانية في الولايات المتحدة، وهي تقديرات تشمل فئة مختلفة ولم يثبت بعد مصدرها الإحصائي الأصلي. وفي كندا، بلغ الرصيد المسجل في بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نحو 191 طبيبًا عام 2024. لا تقل هجرة الجسم التمريضي خطورة عن هجرة الأطباء، لأن استمرارية الخدمات الاستشفائية تعتمد على توافر كوادر تمريضية مؤهلة. وتشير تقديرات نقابية إلى هجرة أكثر من 3,000 ممرض وممرضة منذ بداية الأزمة، في حين ورد رقم يتجاوز 3,500 ممن تركوا المهنة، سواء بسبب الهجرة أو لأسباب أخرى. وتُظهر بيانات OECD وجود 436 ممرضًا وممرضة مرتبطين بلبنان في كندا عام 2024، و319 في المملكة المتحدة عام 2025، و191 في بلجيكا عام 2024. وقد ارتفع الرصيد البريطاني من 11 عام 2019 إلى 319 عام 2025، والبلجيكي من 96 إلى 191، والكندي من 371 إلى 436. وتظل الأعداد المتوافرة عن الولايات المتحدة وأستراليا والخليج أقل اكتمالًا، رغم أهمية هذه الوجهات في سوق العمل الصحي الدولي. تكشف المقارنة بين متوسط التدفقات السنوية المسجلة في دول OECD خلال فترتَي 2015-2019 و2020–2024 عن تسارع لافت في انتقال الأطباء المرتبطين بلبنان. فقد ارتفع المتوسط السنوي في الولايات المتحدة من 91.8 إلى 171.4 طبيبًا، وفي فرنسا من 10 إلى 77.6، وفي كندا من 17 إلى 33.6، وفي المملكة المتحدة من 11.8 إلى 28.8. وشهد التمريض تحولات أكبر في بعض البلدان؛ إذ ارتفع المتوسط السنوي في الولايات المتحدة من 23.2 إلى 68.8 ممرضًا، وفي ألمانيا من 3 إلى 52.8، وفي المملكة المتحدة من 1 إلى 43.2. ولا تعكس هذه الأرقام بالضرورة مغادرة مباشرة من لبنان في سنة التسجيل نفسها، لكنها تؤكد اتساع استقطاب الكفاءات الصحية المرتبطة به. لم تقتصر الخسارة على عدد المغادرين، بل امتدت إلى قدرة المستشفيات على التشغيل والتدريب. فقد خسر مستشفى أوتيل ديو 35 طبيبًا من أصل نحو 200 خلال عامَي 2020 و2021، عاد منهم 12 لاحقًا. وأشارت إفادات إدارة مستشفى الجامعة اللبنانية الأميركية–رزق إلى خسارة نحو 10% من أطبائه، قبل عودة قسم منهم. وفي شمال لبنان، أ