في الحرب كما في السلم.. الدولة هي الضمانة 4 تشرين الثاني 2026 · 12:49 ص قراءة في 3 دقائق حجم الخط انتهت انتخابات الكنيست الإسرائيلي، وحان موعد الانتخابات النصفية الأميركية، فيما تقف المنطقة على إيقاع طبول الحرب التي يقرعها الطرفان الأميركي والإيراني، تارةً برفع منسوب التهديد والتصعيد العسكري، وتارةً أخرى بفتح نوافذ للحلول وإبقاء قنوات الدبلوماسية موصولة. وبين هذين المسارين المتناقضين، تبدو المنطقة وكأنها تعيش حفلة انفصام عبثية بين احتمالات المواجهة وفرص التسوية، فيما تحبس دولها أنفاسها ترقباً لما قد تحمله المرحلة المقبلة من تحولات. فهذه الحرب، إن اندلعت، لن تقتصر تداعياتها على أطراف المواجهة، بل قد تجرّ الشرق الأوسط بأسره إلى دوامة من الدمار، وتلقي بظلالها الثقيلة على اقتصادات العالم واستقراره. وفي قلب هذه الصورة الضبابية، يقف لبنان مترقباً مسار المفاوضات الأميركية الإيرانية وما يمكن أن تؤول إليه، فيما لا يزال التصعيد الإسرائيلي مستمراً على جبهة الجنوب، بل يتجاوز حدودها مع اتساع التهديدات لتطال عمق الأراضي اللبنانية، من الضاحية الجنوبية إلى صور والنبطية وصيدا، وصولاً إلى التلويح بمحاصرة المرافق البحرية. وفي المقابل، يأتي التهديد الإيراني باستهداف السفارة الأميركية والمصالح الأميركية في لبنان، من دون اكتراث لما قد يترتب على ذلك من تداعيات تمسّ أمن اللبنانيين وسيادة بلدهم. وهكذا يجد لبنان نفسه مجدداً في قلب مواجهة إقليمية تتجاوز إرادته، ويُدفع إلى أن يكون ساحة لتصفية الحسابات وصندوق بريد في صراع لا يملك قرار إدارته ولا التحكم بمآلاته. وانطلاقاً من هذه المعادلة الخطيرة، لم يعد أمام لبنان ترف الانتظار أو الرهان على سيناريو واحد، بل بات لزاماً عليه الاستعداد للحرب والسلم على حد سواء. والمفارقة أن نقطة الالتقاء بين هذين المسارين المتناقضين ليست سوى عنوان واحد: حصرية السلاح واحتكار الدولة قرار الحرب والسلم. فسواء اتجهت المنطقة نحو المواجهة أو التسوية، لا يمكن للبنان أن يحمي نفسه أو يصون مصالح شعبه ما لم يكن القرار الوطني محصوراً بمؤسساته الدستورية والعسكرية والأمنية. فإذا فشلت المفاوضات وانزلقت المنطقة إلى مواجهة مفتوحة، يصبح تحصين الجبهة الداخلية أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل، من خلال تمكين الدولة وأجهزتها الأمنية من تنفيذ قرارات الشرعية اللبنانية، ومنع استخدام الأراضي اللبنانية منصةً لتصفية الحسابات الإقليمية. فالتفلُّت من سلطة الدولة لا يضعف لبنان فحسب، بل يمنح إسرائيل الذريعة لتوسيع اعتداءاتها وتحقيق مطامعها، ويجرّد اللبنانيين من أي ورقة تفاوضية مستقلة، بعدما تحوّل لبنان إلى ورقة تستخدمها إيران في صراعها مع الولايات المتحدة. أما إذا نجحت المفاوضات وأفضت إلى تسوية إقليمية شاملة، فإن لبنان سيكون أمام استحقاق لا يقل أهمية عن مواجهة الحرب نفسها: استعادة سيادته وإعادة بناء دولته. عندها لن يكون للسلاح الخارج عن الشرعية أي دور في المرحلة المقبلة، بل ستصبح الأولوية لبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وإطلاق ورشة إعادة إعمار المناطق المنكوبة، وتأمين عودة النازحين إلى قراهم ومنازلهم بكرامة وأمان. فليس هناك أي جهة، مهما امتلكت من نفوذ أو إمكانات، قادرة على ضمان إعادة الإعمار وعودة الأهالي بصورة مستدامة، خارج إطار الدولة ومؤسساتها والتمويل الدولي المرتبط باستعادة سيطرتها الأمنية والتزامها الإصلاحات المطلوبة، وفي مقدمتها الإصلاح الإداري وإعادة هيكلة القطاع المصرفي. وفي الحالتين، تبقى الدولة وحدها الضمانة للبنانيين عموماً، ولأهالي الجنوب خصوصاً. فهي القادرة على انتزاع الانسحاب الإسرائيلي عبر المسارات الدبلوماسية، بعدما أثبتت لغة السلاح عجزها عن حماية الأرض والعرض، وهي أيضاً الجهة الوحيدة القادرة على تأمين الإعمار، وحماية الحدود، وفرض الاستقرار، واستعادة ثقة المجتمع الدولي. ولعل مقولة الرئيس الأميركي جون كينيدي تختصر معادلة المرحلة، إذ قال: «يجب ألا نتفاوض بدافع الخوف، ولكن يجب ألا نخاف من التفاوض». وهي مقولة تكتسب أهمية خاصة في اللحظة الراهنة، إذ إن التفاوض لا يعني الاستسلام، كما أن التمسك بالسيادة لا يعني إغلاق أبواب الدبلوماسية. فلبنان ليس أمام خيارين متناقضين بين الحرب والتفاوض، بل أمام ضرورة امتلاك قرار وطني مستقل يتيح له التفاوض من موقع الدولة القادرة على حماية مصالح شعبها، لا من موقع الساحة المفتوحة على صراعات الآخرين. فالمطلوب اليوم ليس مجرد انتظار ما ستقرره واشنطن أو طهران، بل اتخاذ قرار وطني واضح يعيد الاعتبار إلى الدولة، ويضع السيادة فوق كل اعتبار، والمصلحة اللبنانية فوق حسابات المحاور. فلا ضمانة في الحرب إلا الدولة، ولا ضمانة في السلم إلا الدولة. وما لم يكن قرار الحرب والسلم بيدها، ستبقى الأرض مستباحة، والناس مشرّدين، ومستقبل