مع اقتراب ولاية قوات اليونيفيل من الانتهاء، تتكثّف الطروحات بشأن مستقبل الوجود الدولي في الجنوب. فلبنان يتمسّك ببقاء القوات الدولية أو تمديد ولايتها، في حين تعارض واشنطن هذا الخيار، كما لم يلقَ الاقتراح الفرنسي بتشكيل قوة أوروبية مستقلة قبولاً أميركياً، ما أبقى مصير المهمة الدولية مفتوحاً على احتمالات متعددة.وفي صلب هذا التجاذب، برز توجّه أميركي نحو طرح نموذج مختلف يقوم على الاستعانة بشركات خاصة، متخصصة في مجالات المراقبة والتكنولوجيا وجمع المعلومات الاستخباراتية في جنوب لبنان، على غرار تجربة الشركات الأمنية في العراق، إبان فترة الاحتلال الأميركي للعراق. وإن كان الدور المقترح هذه المرة لا يقوم على نشر تشكيلات عسكرية أو عناصر مسلّحة، بل على إسناد مهام تقنية واستخباراتية محددة إلى هذه الشركات، تحت إدارة وإشراف أميركيين، لتكون بديلاً محتملاً عن اليونيفيل مع انتهاء ولايتها في كانون الأول 2026. وهو ما يعيد النقاش إلى طبيعة السيطرة على المشهد الأمني في الجنوب. ففي الحروب الحديثة، لم يعد التحكم بالأرض يستوجب بالضرورة وجوداً عسكرياً مباشراً، إذ يمكن لمنظومات الرصد والمراقبة، والقدرة على جمع المعلومات وتحليلها وتحديد الجهات التي تتلقاها، أن تشكّل بحد ذاتها أداة نفوذ ورقابة. يستند التصوّر الأميركي إلى منظومات الرصد والاستشعار وتحليل الصور الفضائية والبيانات الجغرافية، بهدف مراقبة التحركات والتحقق من الالتزام بالترتيبات الأمنية القائمة. غير أن هذا الطرح يصطدم بجملة من الإشكاليات السياسية والمالية والقانونية، في مقدّمها موقف حزب الله من وجود جهات خاصة ذات طابع استخباراتي في الجنوب. رفض لبناني رسمي للمقترح وعليه، يبرز السؤال حول مدى قابلية هذا النموذج للتطبيق في بيئة لبنانية شديدة التعقيد، وما إذا كانت واشنطن قادرة على المضي به رغم الرفض اللبناني. في هذا السياق، تؤكد مصادر رسمية لـ"المدن" أن هذا الخيار غير قابل للتطبيق، مشددةً على أن بيروت أبلغت الجانب الأميركي رفضها للمقترح، انطلاقاً من قناعتها بأنه لا يشكّل بديلاً عملياً أو مقبولاً عن اليونيفيل، وأن اعتماده قد يفتح الباب أمام تعقيدات ميدانية ومشكلات يصعب احتواء تداعياتها.من جهتها، تنفي مصادر حكومية لـ"المدن" وجود أي توجّه لبناني نحو القبول بهذا العرض، وتؤكد أن إدخال شركات خاصة لتولّي مهام في الجنوب خارج الأطر الدولية المعتمدة أمر مرفوض، وأن لبنان لا يمكنه الموافقة على صيغة من هذا النوع. ولكن، امتلاك واشنطن أوراق الضغط والنفوذ الكافية قد يتيح لها الدفع بهذا الخيار ومحاولة تحويله إلى أمر واقع، بصرف النظر عن الموقف اللبناني الرافض. وهو ما يطرح إشكالية تتجاوز مجرد طرح الفكرة، لتطال قدرة الولايات المتحدة على فرض ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب خارج إطار التوافق مع الدولة اللبنانية.لكن مقاربة هذا الاحتمال تستدعي تفكيك طبيعة النموذج المطروح، وفهم أبعاده الأمنية والعسكرية، بدءاً من طبيعة الشركات المرشحة للقيام بهذه المهمة، والدول التي تنشط في هذا القطاع، وصولاً إلى آليات تشغيلها والجهات التي ستتولى إدارتها والإشراف عليها، والأهم حدود صلاحياتها والمرجعية التي ستضبط عملها على الأراضي اللبنانية. شركات بلا سلاح في قراءة عسكرية وأمنية وسيادية، لفرضية الشركات الأمنية الخاصة كبديل عن اليونيفيل، يتحدث العميد بهاء حلال، الخبير العسكري والاستراتيجي لـ"المدن" عن ضرورة التمييز بين ثلاثة أمور، كثيراً ما يجري الخلط بينها:* الشركات الأمنية الخاصة: تقدم خدمات الحماية والحراسة وتأمين المنشآت والأفراد.* الشركات العسكرية والأمنية الخاصة: قد تقدم خدمات أوسع، تشمل التدريب والاستشارات والدعم العملياتي واللوجستي، وأحياناً مهاماً مسلحة ضمن ضوابط قانونية. * شركات التكنولوجيا والاستخبارات التقنية: تقدم منظومات الاستشعار، والطائرات المسيّرة، وتحليل الصور الفضائية، والمراقبة الإلكترونية، ودمج البيانات وإنتاج المعلومات الاستخبارية.وليس ضرورياً أن تحمل هذه الشركات السلاح لكي تؤدي دوراً أمنياً بالغ التأثير. فقد تكون قدرتها على جمع المعلومات وتصنيف التحركات وإنتاج صورة استخبارية عن منطقة جغرافية أكثر أهمية من وجود عناصر مسلحة على الأرض.وبحسب حلال فإنّ ما يتم تداوله عن المقترح الأميركي يشمل بالتالي: تشغيل منظومات مراقبة واستشعار متطورة، تحليل الصور الفضائية والجوية والبيانات الجغرافية، رصد التحركات وتحديد الأنشطة التي تعتبرها الجهات المشرفة مشبوهة، توفير المعلومات لغرف عمليات مشتركة أو آليات تحقق، إبقاء مسؤولية الانتشار والتفتيش والإجراءات الميدانية لدى الجيش اللبناني، وعدم الإعلان عن أسماء الشركات أو تحديد الجهة التي ستتحمل تكاليف تشغيلها. فكيف تعمل هذه الشركات وما المفهوم العسكري لها؟يشرح حلال أنه "يمكن وصف النموذج المطروح