تتجه العلاقة بين واشنطن والسلطة اللبنانية إلى مرحلة جديدة، تتراجع فيها الرهانات الأميركية على تحقيق اختراق سياسي وأمني، لمصلحة مقاربة أكثر تشدداً تقوم على رفع مستوى الضغوط والمطالبة بنتائج ملموسة. فالإدارة الأميركية التي تولّت إدارة الملف اللبناني، ورعت المفاوضات مع إسرائيل، ووضعت ثقلها السياسي خلف اتفاق الإطار، تبدو اليوم أقل رضى عن مسار الأمور، في ظل تعثر المفاوضات وغياب التقدم الذي كانت تنتظره في ملف سلاح حزب الله. ويأتي هذا التحول بالتزامن مع الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي، وسط تحذيرات من احتمال تراجع موقع لبنان في أولويات إدارة دونالد ترامب خلال النصف الثاني من ولايته. منذ تولّي إدارة ترامب الملف اللبناني، لم تكتفِ واشنطن بمتابعة التطورات، بل سعت إلى إحداث تغييرات في الواقع السياسي والأمني في لبنان. ولم تقتصر جهودها على محاولة وقف المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، التي لم تتوقف فعلياً مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في الجنوب، بل شملت أيضاً معالجة ملف السلاح، وتعزيز سلطة الدولة، وإعادة ترتيب الوضع الأمني. وفي هذا السياق، كثّفت الإدارة الأميركية اتصالاتها مع المسؤولين اللبنانيين والإسرائيليين، وصولاً إلى رعاية اتفاق الإطار في حزيران الماضي، الذي هدف إلى وضع أسس لترتيبات أمنية جديدة، إلا أن تنفيذها بقي متعثراً. فالأشهر التي تلت توقيع الاتفاق كشفت اتساع المسافة بين التوقعات الأميركية والقدرة اللبنانية على الاستجابة لها. فالجولات التفاوضية لم تحقق اختراقاً في القضايا الأساسية، والخطوات العملية في ملف سلاح حزب الله بقيت دون المستوى الذي كانت تنتظره واشنطن، فيما تمسكت إسرائيل بشروطها الأمنية لمواصلة احتلال أجزاء من الجنوب. وتكشف مصادر مطلعة على أجواء الاتصالات الأميركية عن استياء متزايد عبّر عنه السفير الأميركي ميشال عيسى من أداء السلطة اللبنانية، في ظل اعتقاد سائد لدى واشنطن بأنها لم تتخذ الخطوات المطلوبة لمعالجة ملف سلاح حزب الله. وبحسب هذه المصادر، فإن الجانب الأميركي يعتبر أن حجم الدعم السياسي والدبلوماسي الذي وفره للبنان لم يقابله تقدم ملموس في تنفيذ الالتزامات، ما يثير تساؤلات داخل الأوساط الأميركية بشأن جدوى الاستمرار في المقاربة المعتمدة. ولا تبدو هذه المعطيات منفصلة عن مسار أوسع من الضغوط شهدته العلاقة بين البلدين. فالموقف الأميركي الذي بدأ بتشجيع الدولة اللبنانية على اتخاذ قرارات حاسمة، انتقل تدريجياً إلى المطالبة بجداول تنفيذية ونتائج قابلة للتحقق، وصولاً إلى تحميل السلطة مسؤولية عدم تحقيق التقدم المطلوب. غير أن المشكلة تكمن في اختلاف قراءة الطرفين للواقع اللبناني. فالإدارة الأميركية تتعامل مع ملف سلاح حزب الله باعتباره مدخلاً ضرورياً لإعادة بناء سلطة الدولة وتحقيق الاستقرار، وتعتبر أن استمرار الوضع القائم يعطّل إمكان الوصول إلى تسوية. وفي المقابل، لا تختلف السلطة اللبنانية مع واشنطن حول مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، بل إنها اتخذت قرارات تاريخية في هذا الاتجاه، عكست تحولاً واضحاً في مقاربة هذا الملف. إلا أن التباين يظهر في كيفية تنفيذ هذه القرارات والظروف المطلوبة لذلك، إذ تجد الدولة نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الاعتبارات الداخلية مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي والضغوط الميدانية، فضلاً عن المخاوف من أن يؤدي التعامل مع ملف السلاح بمعزل عن هذه المعطيات إلى مواجهة داخلية تهدد الاستقرار الذي تسعى القرارات نفسها إلى تكريسه. كما أن واشنطن لم تنجح، بدورها، في تحقيق تقدم موازٍ على الجانب الإسرائيلي. فمطالبها الموجهة إلى بيروت لم تقترن بقدرة مماثلة على انتزاع انسحاب إسرائيلي أو وقف الاعتداءات. وهذا الاختلال جعل السلطة اللبنانية مطالبة بتنفيذ التزامات شديدة الحساسية، من دون الحصول على ضمانات كافية بشأن الالتزامات المقابلة. ما بعد الانتخابات: اهتمام أقل وضغوط أكبر؟ مع انتهاء الانتخابات النصفية الأميركية، تتجه الأنظار إلى مستقبل الانخراط الأميركي في لبنان خلال النصف الثاني من ولاية دونالد ترامب. فقد وصلت إلى بيروت، وفق المعطيات المتداولة، تحذيرات من ضرورة الاستفادة من الفرصة القائمة، على اعتبار أن الاهتمام الأميركي بالملف اللبناني قد لا يستمر بالزخم نفسه بعد الانتخابات، في ظل احتمال إعادة ترتيب أولويات الإدارة الأميركية. فالانتخابات النصفية لا تعني بالضرورة تغييراً في السياسة الخارجية الأميركية، لكنها تشكل محطة لإعادة تقييم الأولويات. وإذا كان ترامب قد استثمر جزءاً من رصيده السياسي في محاولة تحقيق اختراقات إقليمية، فإن تعثر بعض هذه المسارات قد يدفعه إلى التركيز على ملفات أخرى يعتبرها أكثر ارتباطاً بالمصالح الأميركية المباشرة. ويضاف إلى ذلك احتمال أن تكون واشنطن على أعتاب جولة جديدة من الحرب