لا تقتصر مخاوف إسرائيل من انتخابات التجديد النصفي الأميركية على احتمال خسارة الجمهوريين سيطرتهم على الكونغرس، بل تتجاوزها إلى سيناريو أكثر تعقيداً، يتمثل في تحرّر الرئيس دونالد ترامب من قيود السياسة الداخلية، واتجاهه نحو تحقيق إنجازات خارجية قد تفرض ضغوطاً جديدة على إسرائيل، على غرار ما شهدته العلاقات مع واشنطن في عهود رؤساء أميركيين سابقين. وبينما تواجه إسرائيل أزمة سياسية عقب انتخابات الكنيست، تتجه الأنظار إلى نتائج الاستحقاق الأميركي في 3 تشرين الثاني، وسط تحذيرات إسرائيلية من تغيّر موازين الدعم السياسي والعسكري داخل واشنطن. وفي هذا السياق، حذّر الكاتب في صحيفة "يديعوت أحرونوت" غادي عيزرا، الذي سبق أن شغل مناصب في ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزارة الخارجية، من أن "خط الدفاع الأخير عن إسرائيل يوشك على الانهيار"، معتبراً أن نتائج الانتخابات الأميركية ستترك انعكاسات مباشرة على الأمن الإسرائيلي والعلاقات التجارية ومستقبل التحالف مع واشنطن. وقال عيزرا إن مستقبل إسرائيل لا يتأثر فقط بأصوات الناخبين في تل أبيب، بل أيضاً بالناخبين في نيويورك، مشيراً إلى أن ترامب يدخل الانتخابات وسط تراجع في شعبيته، بعدما أظهر استطلاع أجرته شبكة "NBC" الأسبوع الماضي وصول نسبة عدم الرضا عن أدائه إلى مستوى قياسي بلغ 60%، فيما اعتبر أن وضعه في استطلاعات "فوكس نيوز" أكثر سلبية. وبحسب الكاتب، فإن معظم التوقعات التي تناولها ترجّح تحقيق الديمقراطيين مكاسب واسعة قد تمنحهم السيطرة على مجلسي الكونغرس، وهو ما يثير القلق في إسرائيل، خصوصاً مع تراجع التأييد لها داخل الحزب الديمقراطي. واستند عيزرا إلى دراسة أجراها مركز "بيو" للأبحاث في تموز 2026، أظهرت تراجع نسبة الديمقراطيين الذين يحملون مواقف إيجابية تجاه إسرائيل من 57% إلى 43% خلال 7 سنوات، مقابل ارتفاع نسبة المتعاطفين مع الفلسطينيين من 58% إلى 67% خلال الفترة نفسها. ولا يقتصر التحوّل على استطلاعات الرأي، إذ أشار الكاتب إلى أن 40 من أصل 47 عضواً ديمقراطياً في مجلس الشيوخ صوّتوا في نيسان الماضي لمصلحة وقف مبيعات الأسلحة لإسرائيل، مقارنة بـ27 عضواً في العام السابق، وعدد أقل في الفترة التي سبقته. ورغم أن الأغلبية الجمهورية حالت دون إقرار هذه المشاريع، فإن انتقال السيطرة على مجلس الشيوخ إلى الديمقراطيين قد يغيّر النتائج، لا سيما مع تصاعد الانتقادات الأميركية للسياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية. لكن المخاوف الإسرائيلية الأكبر، وفق عيزرا، لا تتعلق فقط بموازين القوى داخل الكونغرس، بل بما قد يفعله ترامب خلال العامين الأخيرين من ولايته إذا خسر الجمهوريون أغلبيتهم. ويرى الكاتب أن تراجع قدرة الرئيس الأميركي على تنفيذ أجندته الداخلية قد يدفعه إلى التركيز على السياسة الخارجية بحثاً عن إنجاز يرسّخ إرثه السياسي، حتى لو جاء ذلك على حساب بعض المواقف الإسرائيلية. واستعاد في هذا الإطار تجربة الرئيس الجمهوري الأسبق جورج بوش الابن، الذي خسر حزبه السيطرة على الكونغرس عام 2006، قبل أن يرعى مؤتمر أنابوليس أواخر عام 2007، في محاولة لإحياء المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وتطبيق رؤية "خارطة الطريق" القائمة على حل الدولتين. كما استحضر تجربة الرئيس الديمقراطي باراك أوباما، الذي اتجه بعد خسارة حزبه الكونغرس عام 2014 نحو تحقيق إنجازات خارجية، أبرزها الاتفاق النووي مع إيران عام 2015. ولم يستثنِ عيزرا ترامب نفسه، مذكّراً بأنه بعد خسارة الجمهوريين مجلس النواب عام 2018، خلال ولايته الأولى، عمل على الترويج لما عُرف بـ"صفقة القرن" الخاصة بحل القضية الفلسطينية. وانطلاقاً من هذه السوابق، يحذّر الكاتب من أن خسارة ترامب نفوذه داخل الكونغرس قد تدفعه إلى تسريع تحركاته الخارجية، في وقت يجري فيه مفاوضات مفتوحة مع إيران، بينما لا يزال قطاع غزة، وفق توصيفه، تحت سيطرة حركة "حماس". ويعتبر عيزرا أن أي حكومة إسرائيلية ستتشكل في المرحلة المقبلة قد تجد نفسها أمام ضغوط لا تأتي فقط من كونغرس يسيطر عليه الديمقراطيون، بل أيضاً من البيت الأبيض الذي يقوده رئيس جمهوري يسعى إلى تحقيق نتائج سريعة في الملفات الخارجية. أما على المدى البعيد، فيرى الكاتب أن الانتخابات الحالية تحمل مؤشرات تتجاوز ولاية ترامب، وتتصل بمستقبل العلاقة الأميركية الإسرائيلية برمّتها. وأوضح أن انتخابات التجديد النصفي تُقدَّم عادة بوصفها استفتاءً على أداء الرئيس، لكن الانتخابات التمهيدية داخل الحزبين تحوّلت، من وجهة نظره، إلى اختبار لمواقف المرشحين من إسرائيل. ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية عام 2028، حذّر عيزرا من استمرار تصاعد المواقف السلبية تجاه إسرائيل داخل الحزبين، معتبراً أن التحدي الأساسي يتمثل في استعادة مكانتها السابقة باعتبارها قضية تحظى بتوافق الديمقراطيين والجمهوريين