في وقت تدرس فيه واشنطن احتمال استئناف ضرباتها العسكرية ضد إيران بعد انتخابات التجديد النصفي، كشفت وكالة "رويترز" عن اضطرابات داخل أجهزة الاستخبارات الأميركية، أدت إلى تعطيل تبادل معلومات حساسة مع الكونغرس ومؤسسات حكومية، وسط صراعات على النفوذ ومخاوف لدى محللين من تقديم تقييمات تتعارض مع مواقف الرئيس دونالد ترامب. وبحسب تحقيق استند إلى إفادات 8 مسؤولين حاليين وسابقين ومصادر مطلعة، فإن تبادل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بإيران وتهديدات دولية أخرى شهد تباطؤاً ملحوظاً خلال ولاية ترامب الثانية، وصل في بعض الحالات إلى التوقف المؤقت، ما أثار تحذيرات من احتمال حرمان صناع القرار من صورة متكاملة عن المخاطر التي تواجه الولايات المتحدة. وأشارت المصادر إلى أن الأزمة تفاقمت خلال تولي تولسي غابارد منصب مديرة الاستخبارات الوطنية، وسط خلافات عميقة بين مكتبها ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إيه". وكان ترامب قد رشّح غابارد للمنصب، قبل أن يوافق مجلس الشيوخ على تعيينها في 13 شباط 2025، إلا أنها أعلنت استقالتها في حزيران 2026، وسط تباينات مع الرئيس الأميركي بشأن الحرب على إيران. وكشفت المصادر أن أعضاء الكونغرس ومساعديهم حُرموا لفترة من التقارير الاستخباراتية الصادرة عن مكتب غابارد، عقب التدخل العسكري الأميركي في إيران في حزيران 2025، كما توقف المكتب عن تقديم إحاطات بشأن التهديدات الانتخابية خلال العام نفسه. ورغم تراجع حدة التوتر بعد استقالة غابارد، أكد مسؤولان أميركيان أن تداعيات الصراع لا تزال قائمة، بعدما توقفت "سي آي إيه" عن المشاركة في إعداد التقييمات المشتركة مع مجلس الاستخبارات الوطني، التابع لمكتب مدير الاستخبارات الوطنية. وأدى هذا الخلاف إلى تراجع عدد التقارير التي تجمع تقديرات مختلف الأجهزة الأمنية وتضعها أمام صناع القرار بشأن ملفات حساسة، وفي مقدمتها إيران. ولم تقتصر الأزمة على الخلافات المؤسسية، إذ نقلت "رويترز" عن مسؤولين سابقين وآخر حالي أن بعض المحللين الاستخباراتيين باتوا يتجنبون صياغة تقييمات تخالف توجهات البيت الأبيض، خشية تعرضهم لإجراءات انتقامية ذات طابع سياسي. وتعود جذور هذه الاضطرابات إلى العام الماضي، عندما أطلقت إدارة ترامب تخفيضات واسعة في ميزانيات مؤسسات الأمن القومي، بينها مكتب مدير الاستخبارات الوطنية ووكالة "سي آي إيه"، بالتزامن مع إقالة أو تهميش مسؤولين اعتبرهم الرئيس غير موالين له. ووفق المصادر، تفاقمت الأزمة بفعل أحد أكبر صراعات النفوذ خلال 3 عقود بين "سي آي إيه" ومكتب مدير الاستخبارات الوطنية، الذي أُنشئ عقب هجمات 11 أيلول 2001. وتسبّب انسحاب الوكالة من إعداد التقييمات المشتركة العام الماضي في فقدان مجلس الاستخبارات الوطني أحد أبرز المساهمين في تقاريره، بعدما شكّل لعقود مرجعاً أساسياً للمسؤولين والمشرعين المعنيين بصياغة السياسة الخارجية الأميركية. وفي مؤشر إضافي إلى اتساع الخلافات، كشف مسؤولان سابقان أن مكتب التحقيقات الفيدرالي "إف بي آي" أوقف أواخر العام الماضي مشاركة بعض المعلومات مع المركز الوطني لمكافحة الإرهاب لعدة أسابيع، إثر محاولة رئيس المركز آنذاك، جو كينت، وفريقه التحقيق في حادثة إطلاق النار على مؤسس منظمة "تيرننغ بوينت يو إس إيه"، تشارلي كيرك. وبحسب المصادر، اعتبرت قيادة "إف بي آي" أن كينت والمركز تجاوزا حدود صلاحياتهما، ما أدى إلى تعثر التعاون الاستخباراتي بين الجهتين. وتكشف هذه المعطيات، وفق تحقيق "رويترز"، عن تحديات تواجه منظومة الاستخبارات الأميركية في مرحلة شديدة الحساسية، وسط استمرار الخلافات بين الأجهزة والخشية من تداعيات الضغوط السياسية على استقلالية التقييمات الأمنية. وتبرز خطورة هذا الوضع مع عودة الملف الإيراني إلى واجهة القرارات العسكرية المحتملة في واشنطن، في وقت يحذّر فيه مسؤولون سابقون وخبراء من أن ضعف التنسيق وتبادل المعلومات قد يترك الإدارة الأميركية أمام تقديرات غير مكتملة للتهديدات، في مرحلة تتطلب أعلى درجات التعاون بين المؤسسات الاستخباراتية.