في خضم الموجات الاحتجاجية التي تشهدها العواصم الأوروبية، ولا سيما في الثانويات والميادين الفرنسية، تبرز ظاهرة تثير الكثير من الجدل والنقاش تتمحور حول رفع الأعلام الفلسطينية جنباً إلى جنب مع لافتات تطالب بحقوق نقابية، أو تحسين الأجور، أو إصلاح منظومتي التعليم والرعاية الصحية. هذا المشهد يدفع بعض المراقبين المنكفئين على ذواتهم إلى إبداء الاستغراب والاستنكار، معتبرين أن إقحام قضية جيوسياسية بعيدة جغرافياً في سياق احتجاجات مطلبية محلية هو نوع من الإقحام غير المبرر أو الخروج عن سياق المطلب الأساسي. غير أن هذا الاستغراب السطحي لا يعكس في جوهره إلا قصوراً في فهم آليات التضامن الإنساني، وجهلاً عميقاً بالترابط الكوني بين القضايا العادلة، وسيكولوجية الهوية الجماعية التي تحرك الحركات الطلابية والشبابية المعاصرة. إن الاعتقاد بأن قضايا الشعوب يمكن الفصل بينها بجدران عازلة هو وهم دحضه التاريخ المعاصر مراراً. فالطالب الذي يخرج إلى الشارع في باريس، أو لندن، أو برلين مطالبًا بفرص تعليمية متكافئة، أو برفض خصخصة القطاعات الحيوية، لا ينطلق من مجرد رغبة أنانية في تحقيق مكاسب شخصية ضيقة، بل يتحرك مدفوعاً بوعي قيمي يرفض الظلم والاضطهاد بشتى أشكاله. والرابط هنا ليس جغرافياً، بل هو رابط قيمي وأخلاقي. فالمطالبة بالحق في حياة كريمة، وتعليم مجاني، ورعاية صحية، تنبع من صلب الإيمان بالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. وحين يلتفت هذا الطالب إلى المشهد العالمي، يجد أن القضية الفلسطينية تمثل النموذج الصارخ للانتهاك الممنهج لهذه القيم بما فيها من سلب للأرض، وحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية، وتدمير للجامعات والمستشفيات، وحصار يخنق الكرامة اليومية. بناءً على ذلك، يصبح التضامن مع فلسطين بالنسبة للمحتج الأوروبي امتداداً طبيعياً ومنطقياً لمعركته المحلية ضد السياسات التي تهمش الإنسان لصالح حسابات القوة والنفوذ. وتشكل مسألة التماهي أو التعريف الذاتي الركيزة الأساسية في فهم سلوك الحركات الطلابية. فالشباب في مرحلة الوعي السياسي لا يعرّفون أنفسهم فقط من خلال انتماءاتهم الوطنية الضيقة أو مصالحهم الطبقية المباشرة، بل يصيغون هوياتهم عبر تبني قضايا مرجعية تعكس منظومتهم الأخلاقية. وفي هذا السياق، لم يعد علم فلسطين مجرد قطعة قماش تمثل رقعة جغرافية محددة في الشرق الأوسط، بل تحول عبر العقود إلى أيقونة كونية ترمز للمقاومة ضد الاستعمار، ورفض التمييز العنصري، والوقوف في وجه غطرسة القوة. عندما يرفع طالب فرنسي هذا العلم، فهو يمارس فعلاً من أفعال التماهي النفسي والسياسي، يعلن من خلاله انحيازه لمعسكر المستضعفين في الأرض ضد المستكبرين. هذا التماهي يمنح الاحتجاج المحلي بعداً ملحمياً وأخلاقياً يتجاوز حدود الأنانية المطلبية المباشرة، ليصهر المعركة الذاتية في بوتقة معركة إنسانية شاملة من أجل الحرية. لقد ساهمت الثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في تفتيت الروايات السائدة التي كانت تفرضها وسائل الإعلام التقليدية في الغرب. الطالب في فرنسا اليوم يرى، بالصوت والصورة وبشكل لحظي، ما يحدث لأقرانه من الطلبة والشباب في قطاع غزة والضفة الغربية. وهو يرى جامعات تُباد عن بكرة أبيها، ومستشفيات تُقصف، وأطفالاً يُحرمون من أبسط مقومات الحياة. هذا التدفق المعرفي البصري كسر الحواجز النفسية وخلق حالة من المواطنة العالمية غير المشروطة بحدود الدولة القومية. فلم يعد من الممكن إقناع شاب يعيش قيم حقوق الإنسان بأن يغض الطرف عن سحق هذه الحقوق في مكان آخر من العالم بذريعة أن الأولوية هي لرواتب المعلمين في بلده. لقد أدرك الجيل الجديد أن التجزئة الأخلاقية هي نفاق سياسي، وأن الظلم في أي مكان هو تهديد للعدالة في كل مكان. تكتسب هذه الظاهرة في فرنسا خصوصية تاريخية وثقافية شديدة الأهمية، فالجامعات الفرنسية، ولا سيما منذ انتفاضة مايو 1968 الشهيرة، كانت دائماً معقلاً لربط المطالب النقابية الداخلية بالقضايا التحررية العالمية، مثل الموقف من حرب فيتنام أو الثورة الجزائرية سابقاً. لذلك، فإن حضور علم فلسطين في المظاهرات الفرنسية الحالية ليس طارئاً أو إقحاماً هجيناً، بل هو استمرار طبيعي لهذا الإرث الفكري والسياسي الرافض للهيمنة والاستعمار. الطلبة يدركون جيداً التناقض الصارخ في مواقف حكوماتهم التي تتغنى بمبادئ الحرية، والمساواة، والإخاء داخلياً، بينما تتبنى سياسات الكيل بمكيالين وتتواطأ بالصمت أو الدعم مع قوى الاحتلال خارجياً. لذا، يصبح رفع العلم الفلسطيني أداة قوية لتعرية هذا النفاق ومساءلة النظام السياسي في عقر داره. في المحصلة، إن من يستنكر رفع أعلام فلسطين في تظاهرات أوروبا ينمّ استنكاره عن قراءة قاصرة ومسطحة للواقع، عاجزة عن تتبع الخيوط الخفية والجلية التي تربط مصائر البشر بعضهم ببعض. فالاحتجاجات العادلة لا تتجزأ، وال