لم تعد الضربات العسكرية المحدودة أو إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات كافية في نظر بعض الأوساط الأمنية الإسرائيلية، التي بدأت تدفع باتجاه تغيير جذري في أهداف أي مواجهة مقبلة مع طهران، وصولاً إلى إسقاط نظام الحكم الإيراني. وبين تعثر المفاوضات الأميركية - الإيرانية وتصاعد الضغوط الاقتصادية والعسكرية، تبرز تقديرات إسرائيلية تعتبر أن المنطقة تقف أمام فرصة استراتيجية نادرة، لكنها تحذّر في الوقت نفسه من أن الحرب المقبلة قد تتحول إلى مواجهة إقليمية واسعة تشمل لبنان ودول الخليج وتستهدف منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية. وفي مقال تحليلي نشره موقع "القناة 12" الإسرائيلية، رأى العقيد المتقاعد كوبي ماروم، الخبير في الأمن القومي والجبهة الشمالية، أن الدروس المستخلصة من عملية "زئير الأسد" تفرض تغييراً أساسياً في مفهوم الحرب المقبلة ضد إيران، بحيث لا تقتصر أهدافها على تحقيق إنجازات عسكرية محدودة أو إجبار طهران على استئناف المفاوضات، بل تقوم على استراتيجية متكاملة ومكثفة ومتعددة الأبعاد، هدفها إنهاء حكم رجال الدين في إيران. واعتبر ماروم أن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران وصلت إلى طريق مسدود بشأن القضايا الجوهرية، في ظل إصرار القيادة الإيرانية على مواقفها ورفضها تقديم تنازلات أساسية. وأوضح أنه رغم تفضيل الطرفين، ظاهرياً، التوصل إلى اتفاق بدلاً من خوض الحرب، فإن طهران تشترط أولاً رفع الحصار وإلغاء العقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة، قبل الانتقال إلى مناقشة الملف النووي. وأشار إلى أن واشنطن تجد صعوبة في قبول هذا التصور، لأنه يعني التخلي مسبقاً عن أدوات الضغط الرئيسية التي تمتلكها في مواجهة إيران. وفي هذا السياق، حذّر ماروم من أن "الذهاب إلى مواجهة عسكرية جديدة لمجرد إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات سيكون خطأً استراتيجياً جسيماً". وبرأيه، أثبت النظام الإيراني استعداده لتحمل أثمان باهظة من أجل ضمان بقائه، ولذلك لا توجد ضمانات بأن تؤدي ضربات عسكرية إضافية إلى دفعه نحو تقديم تنازلات. وشدد على أن خوض حرب من دون تحديد هدف حاسم وواضح قد يؤدي مجدداً إلى تحقيق إنجازات عسكرية لافتة، مقابل الإخفاق في الوصول إلى نتيجة استراتيجية حقيقية. واستعاد ماروم نتائج عملية "زئير الأسد"، معتبراً أنها أظهرت تفوقاً استخباراتياً وجوياً وتكنولوجياً إسرائيلياً، لكنها لم تؤدِ إلى حسم المواجهة. وأشار إلى أن النظام الإيراني بقي قائماً، ولم يُفكك برنامجه النووي، كما استمرت منظومته الصاروخية، ولم يُزل التهديد الإيراني، بما في ذلك دعم طهران لحلفائها في المنطقة. ورأى أن الخلل الأساسي في تلك المواجهة تمثل في الفجوة بين الطموحات العسكرية والخطة الموضوعة لتحقيقها، إلى جانب التقليل من قدرة إيران على استخدام مضيق هرمز أداةً للضغط على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي. ومع ذلك، اعتبر ماروم أن الظروف التي قد تنطلق منها الحرب المقبلة تبدو أفضل بكثير من الظروف السابقة. وأوضح أن الضغوط الاقتصادية والعقوبات وتراجع عائدات النفط والعزلة المالية، إضافة إلى النقص في الوقود والغذاء، كلها عوامل تؤدي إلى استنزاف النظام الإيراني وإضعاف قدرته على الصمود. وأضاف أن التقارير التي تتحدث عن صعوبات في دفع رواتب العاملين ضمن الأجهزة الأمنية قد تؤدي إلى تعميق الانقسامات داخل مؤسسات الحكم. لكنه شدد على أن هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة أن النظام بات على وشك الانهيار، وإنما تعكس وجود إمكانية أكبر لزعزعة استقراره. وانطلاقاً من هذه المعطيات، اعتبر ماروم أن الهدف الأعلى لأي حرب مقبلة يجب أن يكون إسقاط نظام الحكم الإيراني، وليس الاكتفاء بإضعافه أو دفعه إلى استئناف المفاوضات. ورأى أن تحقيق هذا الهدف يستلزم الجمع بين الضغوط الاقتصادية المستمرة وعملية عسكرية واسعة ومكثفة ضد قدرات النظام، إلى جانب استهداف قيادته وتقليص قدرته على بسط نفوذه الإقليمي. وذهب في طرحه إلى الدعوة لاستهداف منشآت الطاقة والكهرباء والمياه بصورة شديدة، وإحداث فوضى شاملة في منظومة الحكم، وتعميق الانقسامات داخل المؤسسات السياسية والأمنية، بالتوازي مع تشجيع المعارضة المدنية والسياسية في الداخل الإيراني. وأضاف أنه ينبغي العمل في الوقت نفسه على تهيئة الظروف لانتقال السلطة وإقامة قيادة بديلة ومستقرة، معتبراً أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق تغيير استراتيجي طويل الأمد. وفي معرض تناوله للتداعيات الإقليمية، توقع ماروم أن تسعى الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف واسع يضم دولاً خليجية، مشيراً إلى أن هذه الدول تشترك في مصلحة الحد من النفوذ الإيراني، لكنها تخشى بشدة تعرض منشآت الطاقة التابعة لها لهجمات عسكرية أو اتساع نطاق الحرب. ولذلك، رأى أن التنسيق المسبق مع دول الخليج سيكون عنصراً أساسياً في إدارة أي مواجهة جديدة. وفي المقابل،