تتصاعد مؤشرات الصراع داخل مراكز القرار في إيران، على خلفية المفاوضات الحساسة مع الولايات المتحدة، وسط تقارير عن تراجع نفوذ رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف في إدارة الاتصالات مع واشنطن، لمصلحة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، في تطور يكشف احتدام المواجهة بين التيار المحافظ المتشدد والشخصيات الداعمة لاستمرار المسار الدبلوماسي، بالتزامن مع تصاعد التوتر العسكري بين طهران وواشنطن. وبحسب تقرير للصحافي آساف روزنتسفايغ في موقع "القناة 12" الإسرائيلية، تتزايد خلال الأيام الأخيرة التقارير والتحليلات في وسائل الإعلام الإيرانية التي تتحدث عن فقدان قاليباف موقعه المتقدم، وإبعاده عملياً عن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، في مقابل صعود دور رضائي بوصفه شخصية محورية في تحديد مسار الاتصالات السياسية. وترافق هذه التسريبات مواجهة إعلامية حادة بين أنصار المسؤولين، تعكس خلافات أعمق بشأن الطريقة التي ينبغي أن تتعامل بها القيادة الإيرانية مع واشنطن، وحدود التنازلات الممكنة في أي تسوية محتملة. وكانت الشرارة التي غذّت التكهنات رسالة وجّهها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى محسن رضائي، تناولت إمكان استئناف المفاوضات بين البلدين. وأثار اختيار الإدارة الأميركية التواصل مع أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، بدلاً من قاليباف الذي يتولى رئاسة فريق التفاوض الإيراني، موجة من التحليلات في وسائل الإعلام المحسوبة على التيار المحافظ المتشدد، التي اعتبرت أن رضائي حلّ عملياً مكان رئيس البرلمان في إدارة الملف. ووفق تقارير أميركية، تنظر واشنطن إلى رضائي باعتباره الشخصية الوحيدة التي تمتلك نفوذاً حقيقياً داخل القيادة الإيرانية، والقادرة على التأثير في القرارات المتعلقة بالمفاوضات. وتعززت هذه التكهنات بعد اجتماع غير اعتيادي عُقد الأسبوع الماضي في طهران، بمشاركة قائد الجيش الباكستاني ووزير الدفاع السعودي ورئيس الاستخبارات التركية، وهم ممثلو 3 دول منضوية في "تحالف مكة". وشارك في الاجتماع محسن رضائي ووزير الخارجية عباس عراقجي، فيما غاب عنه قاليباف، الأمر الذي دفع وسائل إعلام متشددة إلى اعتبار غيابه مؤشراً إضافياً إلى تراجع دوره. لكن أنصار رئيس البرلمان سارعوا إلى التقليل من أهمية هذا الغياب، مؤكدين أن الاجتماع لم يكن مخصصاً للمفاوضات مع الولايات المتحدة، بل لمناقشة احتمال انضمام إيران إلى "تحالف مكة"، وهي رواية يشير التقرير إلى أن التقديرات لا تدعم صحتها. وليست هذه المرة الأولى التي تتردد فيها معلومات عن إبعاد قاليباف من فريق التفاوض، إذ ظهرت تقارير مماثلة في أيار الماضي، قبل أن تنفيها السلطات الإيرانية رسمياً. ورغم اتساع الجدل، نقلت قناة "إيران إنترناشيونال" المعارضة عن مسؤولين إيرانيين تأكيدهم أن تركيبة فريق التفاوض لم تشهد أي تغيير. وفي مقابلة مع قناة "الجزيرة" يوم السبت، أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن طهران لا تزال تعتبر قاليباف رئيساً لفريقها التفاوضي، وأن رضائي يدعم هذا الترتيب بصورة كاملة. كما رحّب عراقجي بالمبادرة الأميركية للتواصل مع طهران، قائلاً إن "محاولة الجانب الأميركي فتح الباب أمام الحوار وتفاهمات أوسع تشكّل خطوة إيجابية". لكنه حذّر في المقابل من أنه إذا كان الهدف الأميركي من توجيه الرسالة هو إثارة الخلافات داخل القيادة الإيرانية، فإن ذلك سيكون "خطأ آخر من جانب واشنطن". بدوره، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، يوم الاثنين، أن قاليباف لا يزال رئيس فريق التفاوض، وأن العملية الدبلوماسية تُدار من خلال المجلس الأعلى للأمن القومي. كما رفض منوشهر متكي، عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان والمقرّب من المحافظين المتشددين، التقارير التي تحدثت عن تهميش قاليباف. وقال متكي، في مقابلة مع موقع "إنصاف نيوز" الإصلاحي، إن استمرار الدور المهم لقاليباف في اتخاذ القرارات، حتى بعد تعيين رضائي، يؤكد أنه لا يزال شخصية مؤثرة في مسار المفاوضات. إلا أن هذه التوضيحات لم توقف الهجوم الذي تقوده وسائل إعلام مرتبطة بالتيار المحافظ المتشدد، ولا سيما "جبهة بايداري"، التي تُعد من أبرز القوى المتشددة في السياسة الإيرانية، وتعارض بصورة خاصة الحوار مع الغرب. وترى أوساط هذا التيار أن تعاظم نفوذ رضائي يمثل تطوراً إيجابياً، في حين تنظر بارتياح إلى أي تراجع محتمل في موقع قاليباف. وفي هذا السياق، نشر موقع "رجاء نيوز"، المقرّب من جبهة بايداري، مقالاً يوم الخميس اعتبر فيه أن التطورات الأخيرة تؤكد أن "مركز ثقل السياسة الخارجية في زمن الحرب انتقل من فريق التفاوض إلى الأمانة العامة للمجلس الأعلى للأمن القومي". ويُنظر إلى رضائي داخل إيران وخارجها باعتباره ممثلاً للتيار المحافظ المتشدد في النظام، الذي تعزز نفوذه بصورة كبيرة منذ اغتيال المرشد ال