يوم سوري ـ لبناني آخر في دمشق أضافه الطرفان إلى سلسلة مكثفة من اللقاءات الثنائية للوفود المشتركة، كانت ربما الأكثر عدداً ومخرجات في علاقات سوريا الجديدة مع الخارج منذ التحرير في 8 ديسمبر 2024. وقد أفرزت كافة اللقاءات السابقة توافقات كثيرة على قاعدة إعادة صياغة ومأسسة العلاقة الملتبسة بين البلدين، والتخلص من وصمة التبعية التي طالما كانت عنواناً عريضاً وبغيضاً تململت منه مختلف الأوساط الرسمية والشعبية اللبنانية. فقد وقع كلّ من سوريا ولبنان في الماضي أكثر من 40 اتفاقية تعاون. ومن بين هذه الاتفاقيات، كانت الاتفاقية الأساس التي حكمت العلاقة بين البلدين، وهي "معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق" الموقعة في عام 1991، وشكّلت الإطار المطاط للعلاقات بين دمشق وبيروت، وهي نتاج لفترة "الوصاية السورية" على لبنان. لكن الاتفاقية السيئة السمعة خضعت لتغييرات جوهرية في تموز 2026، إذ وقع البلدان اتفاقية جديدة لإنشاء "اللجنة العليا السورية اللبنانية المشتركة"، وفتحا صفحة جديدة من العلاقات الثنائية المتكافئة سيادياً. على الرغم من الزخم السابق على مستوى التفاهمات ذات الصلة بالفضاء الاقتصادي المشترك بين البلدين، إلا أن أجندة اجتماعات الأمس ذهبت في اتجاه آخر، وإن كان من البديهي أن يفرض الاقتصاد نفسه على أي لقاء، ولو بروتوكولي، بين البلدين، لا سيما هواجس الاستثمار وشراكات القطاع الخاص، على الرغم من تشكيلة الوفد اللبناني ـ غير الاقتصادية ـ المؤلف من نائب رئيس الحكومة طارق متري ووزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي ووزير العمل محمد حيدر ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، إضافة إلى وفد تقني من وزارة الداخلية. ولعل قوام الوفد الوزاري اللبناني يقود مباشرة إلى استنتاج أن العنوان العام والأعمق للزيارة هو ملف عودة النازحين السوريين من لبنان وتفرعاته الكثيرة اجتماعياً وقضائياً وأمنياً، وهو الملف الأكثر تعقيداً في علاقة سوريا مع لبنان، كما في علاقاتها مع تركيا ومعظم بلدان النزوح الأوروبية، وإن بدا لإيقاعه مع لبنان خصوصية أكبر بحكم القرب والتداخل وعوامل أخرى تتعلق ببنية العلاقة بين البلدين. من هنا ركزت لقاءات وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية حنين السيد ووزير العمل اللبناني محمد حيدر على دراسة إمكان عقد اتفاقيات مشتركة لتنظيم أوضاع العمالة السورية في لبنان، وآليات تسجيل وتنظيم العائدين، بالإضافة إلى بحث سبل تنمية مناطق عودة النازحين، بما يضمن إعادة دمجهم الفعّال، ويخدم المصالح المشتركة للبلدين الشقيقين. ومن الطبيعي أن تكون زيارة الوفد الوزاري اللبناني لدمشق أمس في سياق المساعي لإدارة تفصيلية وشاملة لملف النازحين، ومعالجة المشكلات العالقة التي خلفتها سنوات النزوح عبر آليات قطاعية. ففي مجال التربية والتعليم ثمة استحقاق متراكم بحيثياته أبعد من مجرد الحديث العام والتقليدي عن "تعزيز التعاون"، كما جرت العادة في الأنباء التي يجري إعدادها قبل الاجتماعات ككليشة جاهزة، هو الاستحقاق الذي يتعلق بالمعالجة الإدارية للنازحين في لبنان، وتشمل تسجيل الأطفال السوريين المولودين في لبنان (لضمان حصولهم على وضع قانوني)، وكذلك الوضع التعليمي للطلاب السوريين في المدارس اللبنانية، أي كيفية الانتقال والاعتراف بالشهادات بعد العودة إلى سوريا، وهذا ما ذكره طارق متري في تصريح لوسائل إعلام سورية. وقد سبق أن تحدثت وزيرة التربية اللبنانية ريما كرامي في زيارتها السابقة لدمشق "الشهر الماضي" عن تسهيل القواسم المشتركة، التي تشير في الواقع إلى عقبات إدارية متراكمة. كما أن لقطاع الشؤون الاجتماعية والعمل حصة وافية في قوام ملف النازحين، وارتباطاته الممتدة إلى تنظيم سوق العمل، وتنسيق الوضع القانوني للعمال السوريين في لبنان، ليكون الهدف النهائي هو تهيئة الظروف للعودة الطوعية والآمنة، وليس للبقاء بشكل غير منظم في لبنان بشكل دائم. في العموم كان واضحاً السعي إلى استخدام اللجان القطاعية لخدمة الملف الشامل. فالزيارة ليست مباحثات ثنائية عامة، بل لقاءات ثنائية بين وزراء القطاعات المتناظرة. كلّف الجانبان وزراء التربية والعمل والشؤون الاجتماعية للجلوس إلى طاولة المفاوضات، وتحويل ملف النازحين الشامل والضخم إلى قضايا تقنية قابلة للتنفيذ، وتوزيعها حسب اختصاص كل وزارة، في إطار تسهيلات قانونية مفترضة تتيحها اللجنة العليا المشتركة التي تبلورت قبل بضعة أشهر كهيكل عام للتنسيق. وقد يكون من حق لبنان خلال هذه الزيارة تحفيز سوريا لاستقبال المزيد من العائدين، وتخفيف العبء الاقتصادي، لا سيما في ظل تقليص المنظمات الأممية للمخصصات والمنح المالية لهذا البند، كذلك العبء الأمني الذي ربما بات ثقيلاً بعض الشيء. الملف الحساس الآخر، إضافة إلى ملف النازحين، الذي كان ينتظر الحسم لنقاط تقاطع كثيرة مشتركة، هو ذلك المرتبط بصلاح