يستعد البنتاغون منذ سنوات لاحتمال مواجهة مباشرة مع الصين، لكن تقريراً جديداً يكشف أن التحدي الأخطر قد يبدأ قبل إطلاق أي رصاصة، إذ تمتلك بكين ورقة ضغط حاسمة مرتبطة بسلاسل توريد المعادن النادرة، يمكن أن تضرب القدرة الأميركية على تشغيل وصيانة بعض أكثر منظوماتها العسكرية تطوراً، من الغواصات النووية إلى مقاتلات F-35 والقاذفات الشبحية B-2. وبحسب تقرير للصحافي شاي ليفي في موقع "ماكو" الإسرائيلي، فإن تقريراً جديداً أعدّه معهد SCSP، الذي أسسه المدير التنفيذي السابق لشركة "غوغل" إريك شميدت، لصالح البنتاغون، يرسم صورة مقلقة عن حجم الاعتماد الأميركي على الصين في توفير معادن نادرة تُعد ضرورية للصناعات الدفاعية. ويكشف التقرير ما يوصف داخل الولايات المتحدة بأنه اعتماد مقلق للغاية لمنظومة الأمن الأميركية على المعادن النادرة الصينية، إلى درجة أن أنظمة استراتيجية، من الغواصات النووية من فئة "فيرجينيا"، مروراً بمقاتلات F-35 ووصولاً إلى القاذفات الشبحية B-2، قد تواجه خطر التعطيل أو صعوبات تشغيلية كبيرة في حال فرضت بكين قيوداً مشددة على صادرات هذه المواد. واستند التقرير إلى تحليل باستخدام الذكاء الاصطناعي أجرته شركة Exiger وشمل 9 ملايين مكوّن و3000 منظومة سلاح عسكرية. وحدّد التحليل أكثر من 28 ألف مكوّن فريد موزع على 1400 منظومة سلاح، تعتمد جميعها على 4 معادن نادرة رئيسية تُعد الصين المصدّر الأكبر لها. ويحذر مسؤولون في منظومة الأمن الأميركية من أن الأمر لم يعد مجرد خطر نظري، بل أصبح أزمة ملموسة تفاقمت خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً مع تزايد الاعتماد على سلاسل توريد خارجية يصعب استبدالها سريعاً. وتبرز الغواصة الهجومية النووية من فئة "فيرجينيا"، التي تُعد أحد أعمدة الأسطول الأميركي، كواحدة من أكثر المنظومات تأثراً بهذا الواقع، إذ تحتاج إلى أكثر من 300 مكوّن حيوي يحتوي على المعادن الأربعة المشار إليها. ومن بين هذه المكونات، هناك 190 قطعة تتطلب معدن الجرمانيوم، الذي يُعد أساسياً في أنظمة البصريات، وأجهزة الرؤية الليلية، والمستشعرات الكهروبصرية. وبحسب بيانات التقرير، تسيطر الصين حالياً على نحو 68% من الجرمانيوم المكرر في العالم، وعلى 99% من إمدادات معدن الغاليوم اللين، الذي يُستخدم في أنظمة الرادار المتقدمة. ولا تقتصر المشكلة على الاعتماد الصناعي المباشر، إذ إن التأخير في إنتاج منظومات القتال ونقص المواد والاعتماد على المعادن الصينية بدأت بالفعل تتسبب بتأخيرات كبيرة في مشاريع عسكرية أميركية متعددة. فمن أصل 48 غواصة من فئة "فيرجينيا" يُفترض أن تدخل الخدمة، لا تزال 23 غواصة فقط في الخدمة حالياً. ويعاني هذا البرنامج تأخيراً يتراوح بين 36 و44 شهراً مقارنة بالجدول الزمني المحدد. كما يتجاوز وقت الانتظار للحصول على نحو 8000 مكوّن فريد يحتوي على مصبوبات فولاذية حاجز 36 أسبوعاً. والأكثر إثارة للقلق أن "ألعاب حرب" أُجريت أخيراً أظهرت أن الولايات المتحدة قد لا تتمكن من تعويض السفن والطائرات والصواريخ التي تخسرها في المعارك، بسبب نقص قدراتها على صب المعادن وتشكيلها. ولا يبدو وضع الذراع الجوية الاستراتيجية الأميركية أفضل حالاً. فوفق التقرير، تحتاج القاذفة الاستراتيجية الشبحية B-2 إلى 782 قطعة تحتوي على المعادن النادرة الأربعة التي تسيطر الصين على جزء أساسي من إمداداتها. أما مقاتلات F/A-18 "هورنت"، فتتصدر مستوى الاعتماد على المصبوبات الفولاذية، إذ تحتاج إلى 3800 قطعة فريدة، تليها طائرة التزود بالوقود KC-135 التي تحتاج إلى 2570 قطعة. وحتى القاذفات القديمة من طراز B-52، التي تخضع لعمليات تحديث بهدف إبقائها في الخدمة حتى خمسينيات القرن الحالي، تواجه تأخيرات ضخمة. وبحسب التقرير، تعاني بعض قطع هذه الطائرات جداول توريد تتجاوز 400 يوم، نتيجة متطلبات ومعايير التصنيع العسكري الصارمة. وفي مواجهة هذا الخطر، بدأت واشنطن اتخاذ خطوات للحد من اعتمادها على الصين. فقد وقّع الرئيس الأميركي أمراً تنفيذياً لتطوير الإنتاج المحلي، كما أعلن البيت الأبيض إطلاق مشروع "Project Vault" بقيمة 12 مليار دولار، بهدف إنشاء مخزون استراتيجي من المعادن النادرة. إلى جانب ذلك، يستثمر البنتاغون عشرات ملايين الدولارات الإضافية لتوسيع منشأة تكرير في ولاية يوتا، ودعم إنشاء مناجم جديدة في ولاية وايومنغ. لكن خبراء أميركيين يحذرون من أن هذه الخطوات قد تكون محدودة ومتأخرة مقارنة بحجم التحدي. ويعود أحد الأسباب الأساسية إلى أن إنشاء منجم جديد في الولايات المتحدة يستغرق في المتوسط نحو 29 عاماً، ما يجعل بناء بدائل سريعة لسلاسل التوريد الصينية مهمة شديدة الصعوبة. وبذلك، فإن الخطر الذي يرسمه التقرير لا يتعلق بامتلاك الولايات المتحدة الأسلحة الأكثر تطوراً في العالم، بل بقدرتها على الاستمرار في إنتا