مرّت على بيروت حروب وأزمات وانفجارات وأحداث كبرى، وكان آخرها تفجير مرفئها في الرابع من آب 2020، والذي دفعت المدينة ثمنه مئات الأرواح. وهو الدرس الأقسى في سلسلة طويلة: الخطر الحقيقي قد ينام سنوات في مستودع منسي، وتتكفل الإهمالات المتراكمة بإيقاظه. ومنذ ذلك اليوم صار كل قرار يمسّ سلامة المدينة يُقرأ على ضوء ذاكرتها الجريحة، وصار الناس يسألون عن حجم الخطر الذي يُعالَج قبل أن يسألوا عن القرار نفسه. ورغم صورتها الجميلة وواجهتها السياحية، تعيش بيروت واقعاً عمرانياً معقداً، حيث تتلاصق الأبنية وتضيق الأزقة، وتتوزع المولدات وخزانات الوقود بين الأحياء السكنية، في ظل بنية تحتية متعثرة. وأمام هذا الواقع، تصبح السلامة العامة منظومة كاملة من التخطيط والرقابة والجهوزية والثقة بين الناس والدولة. قوارير الغاز والسلامة العامة في بيروت جاء قرار محافظ بيروت القاضي مروان عبود بتنظيم بيع قوارير الغاز المنزلية وتخزينها، مع تحديد سقف للتخزين بخمس قوارير فقط. وضبط القوارير يندرج في صلاحيات المحافظ، وهو ملف مهم في موضعه، لأن القارورة المخزّنة في مدخل بناية أو خلف باب بقالة تشكل خطراً حقيقياً في حيّ تتلاصق جدرانه. لكن خمس قوارير لا تختصر خطر المدينة. ثمة ملفات أكبر منها حجماً وأشد فتكاً، تنتظر من الاهتمام والمتابعة ما نالته القوارير من حزم ودقة، ولا يجوز أن تبقى مؤجلة أو منسية. في صدارة الملفات يقف السلاح المخزّن. وما يُقال في هذا الشأن لا يستند إلى معلومات خاصة، او تحليلات شخصية. فقد شهدت المدينة هجمات إسرائيلية واستهدافات طالت مستودعات أسلحة، وهو ما كشف وجود مخازن من هذا النوع في محيط المناطق المأهولة. وجاء قرار الحكومة بجعل "بيروت منزوعة السلاح" في 9 نيسان 2026 ليضيف تأكيداً رسمياً، لأن قراراً بهذا العنوان يعني أن العاصمة، بحكم القرار نفسه، يجب أن تكون خالية من السلاح، وأن التركيز ينبغي أن ينصبّ على هذه النقطة قبل غيرها. وحتى اللحظة لم يشهد قرار الحكومة أي تنفيذ على الأرض منذ صدوره. فالعنوان الكبير ما زال حبراً على ورق، في وقت تُضبط فيه قوارير الغاز في الدكاكين بدقة. وهذه المفارقة تضع القرار أمام اختبار جدّيته، لأن قيمة أي قرار تُقاس بما يُنفَّذ منه، وبيروت لا تملك ترف الانتظار. في السياق، ينتقد مصدر مطلع عبر "لبنان٢٤" القرار الأخير بشأن قوارير الغاز، ويرى أن من مسؤوليات المحافظ حفظ الأمن المحلي وحماية السلامة العامة في العاصمة، وأن هذه المسؤولية تمنحه أدوات تنفيذية واضحة. ويلفت المصدر إلى أن صلاحياته قد لا تغطي بيروت كلها، إذ تتداخل فيها سلطات وأجهزة أخرى، وتشمل في المقابل جزءاً كبيراً من المناطق المعرّضة للخطر أو الحساسة، وهو ما يكفي لفتح ملفات جدية. وحسب المصدر، يستطيع المحافظ أن يكلّف فوج حرس المدينة وشرطة البلدية بدوريات تفتيشية على العقارات والمستودعات التي يُشتبه بتخزين مواد خطرة فيها. ويستطيع أن يطلب المؤازرة من قوى الأمن الداخلي والأمن العام وأمن الدولة والجيش حين تفوق المهمة قدرات الحرس البلدي. ويقول إن الأدوات التي تُفعَّل اليوم لملاحقة خمس قوارير في دكان صغير هي نفسها التي يمكن توجيهها إلى مستودعات أكبر بكثير. ويضيف المصدر أن للتطبيق على الأرض تعقيداته المعروفة في لبنان. فالتوازنات السياسية والأغطية الحزبية تحتاج إلى ضوء أخضر شامل قبل أن تتحرك الأجهزة بحرية. والقضايا الأمنية الكبرى المتصلة بالسلاح والمتفجرات تمسك بها عادة الأجهزة العسكرية والاستخباراتية الرسمية، فيصبح دور المحافظ والبلدية تنسيقياً وتكاملياً. وهذه المعطيات تشرح الصعوبة وتحدد المطلوب: قرار سياسي واضح وتنسيق كامل بين المحافظة والجيش والأجهزة والقضاء، يجعل نزع السلاح من بيروت مساراً منظماً تسنده كل هذه الجهات. يلي السلاح حاجة المدينة إلى كشف جدي على المستودعات والمنشآت الكبرى التي قد تحوي مواد خطرة بين الأحياء السكنية، كشف دوري تتولاه جهات فنية مختصة وتُعلَن نتائجه للناس. ويشمل ذلك المنشآت النفطية، من شركات التعبئة إلى خزانات البنزين والمازوت العائدة للمولدات والمحطات المتناثرة بين المنازل. وتكتمل الصورة بجهوزية الطوارئ: فوج إطفاء ودفاع مدني بعتاد كافٍ، وشبكات مياه مخصصة للحوادث داخل الأحياء القديمة. تُظهر القرارات الرسمية المتتالية أن ترتيب الأولويات يسير بعكس منطق المخاطر: تُعالَج الأقل خطورة لأنها الأسهل، وتُترك الأخطر لأنها الأصعب. فالمسائل الكبرى لا تنال في الغالب الأهمية التي تستحقها، وحين يصدر قرار بشأنها يبقى عنواناً بلا متابعة، فلا آلية تنفيذ تُعلَن، ولا جدول زمنياً يُحدَّد، ولا مساءلة تلي. أما القرارات الصغيرة فتجد طريقها سريعاً إلى التطبيق والرقابة والمحاضر.