مع اقتراب فصل الشتاء، ووصول عدد من المنخفضات الجوية إلى لبنان قبل بدء الموسم الشتوي رسمياً، يترّقب اللبنانيون طبيعة الطقس خلال الأشهر المقبلة، وسط تساؤلات حول ما إذا كان شتاء 2026-2027 سيحمل معه أمطاراً غزيرة وثلوجاً كثيفة، ولا سيما على الجبال المتوسطة والمُنخفضة. وعلى عكس صيف العام الماضي، الذي شهد موجات حرّ لافتة ودرجات حرارة قياسية، اتّسم صيف لبنان لعام 2026 بالاعتدال النسبي، وتخلّلته حالات من عدم الاستقرار الجوي أدّت إلى تساقط أمطار طوفانية في عزّ الصيف، في مشهد غير مألوف انعكس على عدد من المناطق اللبنانية. وفي قراءة للمؤشرات المناخية وحركة التيارات الهوائية والظواهر المؤثرة في المنطقة، يتوّقع الأب إيلي خنيصر المتخصص في علم المناخ أن يكون شتاء لبنان لهذا الموسم بين الجيد جداً والممتاز، مع فرص لنشاط المنخفضات الجوية والكتل القطبية، ما قد يفتح الباب أمام تساقط الثلوج على الجبال المتوسطة والمنخفضة، على غرار ما شهده لبنان خلال شتاء عام 2022. وفي حديث إلى "لبنان 24"، يشرح خنيصر أبرز المعطيات المناخية التي يستند إليها في قراءته لموسم الشتاء، متوقفاً عند ظاهرتي النينيو والـIOD، ودور التيار النفاث في تحديد مسار المنخفضات الجوية وتوزيع المتساقطات. كيف كان صيف لبنان لعام 2026 مقارنة بصيف العام الماضي؟ يقول خنيصر: "يُعتبر صيف لبنان لعام 2026 صيفاً اعتيادياً، إذ لم يشهد درجات حرارة مرتفعة جداً، بحيث لامست الحرارة خلاله 39 درجة مئوية كحد أقصى في البقاع، فيما بلغت نحو 35 درجة على الساحل". ويختلف هذا الواقع تماماً عمّا شهده صيف عام 2025، حين وصلت درجات الحرارة في البقاع إلى 47 درجة، وعلى الساحل اللبناني الجنوبي إلى 43 درجة، فيما لامست 40 درجة على الجبال الغربية. ويضيف الأب خنيصر: "إلى جانب الاعتدال النسبي في درجات الحرارة، شهد الصيف الحالي حالات متكررة من عدم الاستقرار الجوي، تخلّلتها أمطار طوفانية في عزّ الموسم الصيفي. وكان لافتاً ما حصل يوم السبت 29 آب، حين تساقطت أمطار غزيرة وطوفانية ساحلاً وجبلاً وبقاعاً، ما أدى إلى إفساد حفلات الزفاف والمناسبات". وتكررت هذه الحالات بين 17 و19 أيلول، حيث شهد لبنان أمطاراً طوفانية تسببت بأضرار جسيمة، ولا سيما في بيروت، إذ جرفت الحجارة والحصى على الطرقات وأعاقت حركة السير، فيما ارتفع منسوب المياه على الطرقات في مناطق أخرى، وترافقت هذه التقلبات مع تراجع ملحوظ في درجات الحرارة. كذلك، بدأ فصل الخريف لهذا العام بحالات من عدم الاستقرار الجوي، على عكس خريف العام الماضي، الذي استمرت خلاله درجات الحرارة مرتفعة فوق معدلاتها العامة بنحو درجتين مئويتين. وقد انعكس الارتفاع الحراري الذي شهده الصيف الماضي على الموسم الشتوي، فعلى الرغم من أن ذلك الموسم كان جيداً من حيث كميات الأمطار، فإنه لم يكن جيداً من ناحية البرودة القطبية، إذ غابت الثلوج عن الجبال المتوسطة والمنخفضة. ويعود ذلك إلى موجات الحرارة المرتفعة التي ضربت شمال أفريقيا والحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، فضلاً عمّا شهدته أوروبا من ارتفاع كبير في درجات الحرارة، تسبّب بوقوع وفيات في عدد من الدول الأوروبية خلال الصيف الماضي. ويلفت خنيصر إلى أنه، في المقابل، ومع اعتدال صيف لبنان هذا العام وبداية خريف اتّسمت بأجواء شبه باردة، بدأت التيارات القطبية تنحرف باتجاه تركيا والحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط على ارتفاع نحو 3 آلاف متر، وهو مؤشر قد يبشّر بنشاط قطبي محتمل خلال الشتاء، يشمل تركيا واليونان وسوريا ولبنان وفلسطين. ويتابع: "إذا عدنا إلى السنوات الماضية، نجد أن صيف لبنان خلال عامي 2021 و2022 كان شبيهاً إلى حدّ كبير بالصيف الحالي، وقد أعقبه شتاء عام 2022 البارد، الذي شهد تساقطاً كثيفاً للثلوج على لبنان، بمعدل سبع ثلجات على الجبال المتوسطة والمنخفضة، وصلت خلالها الثلوج إلى السواحل الشمالية". وانطلاقاً من هذه المؤشرات، يرى خنيصر أن لبنان أمام مشهد جوي قد يجعل شتاء هذا الموسم بين الجيد جداً والممتاز. ظاهرتا النينيو والـIOD... ما دورهما في تحديد مسار الشتاء؟ يستند التقييم المناخي للموسم المقبل، بحسب خنيصر، إلى مجموعة من المعطيات، أبرزها ظاهرة النينيو وظاهرة تذبذب المحيط الهندي المعروفة اختصاراً بـIOD، فما طبيعة هاتين الظاهرتين، وكيف يمكن أن تؤثرا في مسار المنخفضات الجوية؟ أولاً: ظاهرة النينيو (El Niño) تتمثل ظاهرة النينيو بارتفاع درجة حرارة مياه المحيط الهادئ، وهو أكبر محيط مائي في العالم. وقد لامست حرارة المياه في منطقة مدار السرطان نحو 32.5 إلى 33 درجة مئوية، ما أدى إلى ارتفاع نسب الرطوبة وتشكّل أعاصير من الدرجتين الرابعة والخامسة. وتؤدي هذه الظاهرة إلى إحداث تغيّرات في الضغوط الجوية، كما تسهم في تغذية التيار النفاث بكميات كبيرة من الرطوبة، الأمر الذي قد يحوّل