ميشال قنبور – ناشر “ليبانون ديبايت” كتب نقيب الصحافة عوني الكعكي مقالاً بعنوان “أعتذر أن أقول لك يا فخامة الرئيس إنك قد أخطأت”، انتقد فيه توقيع رئيس الجمهورية جوزاف عون قانون الإعلام الجديد، ووجّه ملاحظات قاسية إلى وزير الإعلام بول مرقص ورئيس مجلس النواب نبيه بري، معتبراً أن القانون يشكل تراجعاً عن الحريات التي عُرف بها لبنان. من حق الكعكي، بصفته نقيباً للصحافة وصاحب مؤسسة إعلامية، أن يعترض على القانون وأن يناقش مواده بنداً بنداً. بل إن قانوناً ينظم عمل الصحافة والإعلام لا يكتسب قيمته من إقراره وحده، وإنما من قدرته على تحقيق التوازن بين حرية التعبير وحقوق الأشخاص المتضررين من إساءة استعمالها. لكن المشكلة في مقال الكعكي لا تكمن في حقه بالاعتراض، بل في خلطه بين مسائل مختلفة: صلاحيات المؤسسات الدستورية، والمحاسبة عن الأضرار الناتجة من النشر، وحرية التنظيم النقابي، وتمثيل النقابتين القائمتين داخل الهيئة الوطنية للإعلام. يبدأ الكعكي مقاله بالقول إنه لم يكن يتوقع أن يوقّع رئيس الجمهورية القانون “من دون الاتصال بي وبزميلي نقيب المحررين الأستاذ جوزيف القصيفي”. هذه الجملة تختصر جانباً أساسياً من المشكلة. فرئيس الجمهورية ليس ملزماً، قبل توقيع أي قانون، بالاتصال برئيس نقابة أو ممثل مهني، مهما كان موقعه. ويمكن مساءلة الرئيس سياسياً عن قراره، كما يمكن الاعتراض على توقيعه القانون أو مطالبته باستخدام صلاحيته في طلب إعادة النظر فيه، لكن غياب الاتصال الشخصي بنقيبي الصحافة والمحررين لا يشكل في ذاته خطأ دستورياً. ثم إن الكعكي يذكر بنفسه أن النقابتين شاركتا في اجتماع عُقد في مجلس النواب برئاسة نائب رئيس المجلس الياس بو صعب وحضور وزير الإعلام، وأنهما عرضتا ملاحظاتهما واقتراحاتهما. وهذا يؤكد أن وجهة نظرهما طُرحت داخل المسار التشريعي، وإن لم تتبنَّ الهيئة العامة كل مطالبهما. ولا بد هنا من تثبيت مبدأ أساسي: مجلس النواب سيد نفسه في ممارسة وظيفته التشريعية. وأي تفاهم يحصل داخل لجنة أو اجتماع مع وزير أو نقابة يبقى اقتراحاً غير ملزم للهيئة العامة، التي تملك قبول التعديلات أو رفضها أو تغييرها. فلا النقابتان تستطيعان فرض صيغة على النواب، ولا الوزير يستطيع إلزامهم بها، ولا يشكل رفض تعديل ما انقلاباً على اتفاق ملزم. وكان الأجدى أن يناقش الكعكي الخيارات التي اتخذها النواب ومضمون المواد التي أقرّوها، بدلاً من التعامل مع عدم تبني مطالب النقابتين باعتباره تجاوزاً لحق مكتسب. كذلك لا يمكن القول إن الرئيس نبيه بري “أقر القانون” منفرداً، فالقانون أقرته الهيئة العامة بالتصويت. ويمكن مساءلة بري عن موقفه السياسي وعن طريقة إدارته للجلسة، لكن المسؤولية التشريعية تقع على مجموع النواب الذين ناقشوا النص وصوّتوا عليه. أما وزير الإعلام بول مرقص، فيتهمه الكعكي بأنه مصاب بـ”عقدة اسمها الإنجاز”، ويعتبر القانون “نقطة سوداء” في تاريخه، قبل أن يقول إنه “يصرح بشيء ويفعل عكسه”. لكن الوزير يستطيع اقتراح تعديلات والدفاع عنها، ولا يملك إلزام مجلس النواب بها. وإذا كان الكعكي يملك واقعة محددة تثبت أن مرقص اتخذ موقفاً يناقض ما أعلنه، فعليه عرضها بوضوح. أما عدم إقرار مجلس النواب تعديلات أيدها الوزير، فلا يشكل دليلاً بذاته على أن الوزير قال شيئاً وفعل نقيضه. وتحتل المادة 104 مركز الاعتراض على القانون. وتنص على معاقبة كل من تعمّد اختلاق أضاليل ونشر أخبار كاذبة ومؤذية، بالحبس من 3 أشهر إلى 3 سنوات، وبغرامة من 5 إلى 15 ضعف الحد الأدنى للأجور، أو بإحدى هاتين العقوبتين. كما تشدد العقوبة إذا أدى الفعل إلى قتل أو إيذاء أو تعطيل كلي أو جزئي أو تدمير كبير في الممتلكات العامة أو الخاصة. لا أرى أن حرية الصحافة تعني إعفاء الصحافي أو المؤسسة الإعلامية من العقوبة في جميع الأحوال. فالصحافي ليس فوق القانون، وحرية التعبير لا تمنح أحداً حق تعمد اختلاق الوقائع أو نشر معلومات يعلم أنها كاذبة بقصد إلحاق الأذى بالآخرين. وإذا ثبت أن شخصاً تعمد نشر واقعة كاذبة، وكان يعلم بكذبها، وقصد إحداث ضرر محدد، وأفضى فعله مباشرة إلى إيذاء جسيم أو قتل أو تدمير، فلا مانع من أن يفرض القانون عقوبة سالبة للحرية تتناسب مع خطورة الفعل والنتيجة. الاعتراض، إذاً، ليس على الحبس من حيث المبدأ، بل على غموض النص الذي قد يؤدي إلى الحبس. فماذا تعني عبارة “اختلاق أضاليل” قانوناً؟ وما الفارق بين “الأضاليل” والخبر الخاطئ أو المعلومة غير المكتملة؟ وما معيار اعتبار الخبر “مؤذياً”؟ وهل يكفي أن يعتبر مسؤول أن خبراً أضر بصورته، أم يجب إثبات ضرر مادي أو جسدي أو أمني محدد؟ وكيف يُفصل بين الخطأ المهني والإهمال والاختلاق المتعمد؟ هذه الأسئلة كان يجب أن تحسمها المادة نفسها بصياغة لا تحتمل التأويلات المتناقضة. فحين يرتب النص عقوبة قد تصل