82.32 يورو للطن من ثاني أكسيد الكربون. هذا هو السعر المرجعي الذي حدّده الاتحاد الأوروبي للربع الثالث من عام 2026، ضمن آلية تعديل حدود الكربون، المعروفة اختصاراً بـ"CBAM". ورغم أن شهادات الكربون لن يبدأ شراؤها قبل شباط/فبراير 2027، فإن الصادرات التي دخلت أوروبا هذا العام أصبحت خاضعة للنظام الجديد. ما يبدو سياسة بيئية أوروبية يتحوّل إلى اختبار حاسم للصناعات العربية، خصوصاً في مصر والجزائر والمغرب وتونس. فالمصانع التي استفادت تاريخياً من الطاقة الأقل كلفة قد تجد نفسها أمام قواعد تجارية تجعل انبعاثاتها الكربونية جزءاً من سعر المنتج. لماذا يهمّنا الأمر؟ لأن هذه الآلية لا تعاقب الانبعاثات وحدها، بل تعيد رسم قواعد المنافسة الصناعية. ومن لا يستطيع قياس البصمة الكربونية لمنتجاته وخفضها قد يواجه صعوبة متزايدة في الحفاظ على حصته من السوق الأوروبية. دخلت الآلية الأوروبية مرحلتها النهائية في الأول من كانون الثاني/يناير 2026، بعد فترة انتقالية بدأت في تشرين الأول/أكتوبر 2023، اقتصر خلالها الالتزام الأساسي على الإبلاغ عن الانبعاثات. وتشمل حالياً منتجات محددة من ستة قطاعات: الحديد والصلب، والألمنيوم، والإسمنت، والأسمدة، والكهرباء، والهيدروجين. تهدف بروكسل إلى منع ما تسميه "تسرّب الكربون"، أي انتقال المصانع الأوروبية إلى دول ذات قواعد بيئية أقل تشدداً، أو استبدال الإنتاج الأوروبي بسلع مستوردة أكثر تلويثاً. بموجب النظام، يُلزم المستورد الأوروبي المؤهل بالإبلاغ عن الانبعاثات المرتبطة بالمنتجات المشمولة، وشراء شهادات تعكس سعر الكربون الأوروبي، مع إمكان خصم سعر الكربون المدفوع فعلياً في بلد المنشأ. وتبدأ مبيعات الشهادات في شباط/فبراير 2027، على أن تُقدَّم الإقرارات الأولى عن واردات 2026 بحلول 30 أيلول/سبتمبر 2027. والنتيجة أن المصنّع العربي لا يدفع الضريبة مباشرة بالضرورة، لكنه قد يتحمّل تكلفتها من خلال الأسعار التي يقبل بها المستورد الأوروبي. تبدو مصر من أكثر الاقتصادات العربية تعرضاً لهذه التحولات، نظراً إلى ارتباط صناعاتها الثقيلة وأسمدتها بالسوق الأوروبية. وبحسب دراسة نشرها معهد التخطيط القومي المصري في تموز/يوليو 2026، بلغت قيمة صادرات الأسمدة المصرية إلى الاتحاد الأوروبي نحو 993 مليون دولار في 2024، بما يعادل 45.4% من إجمالي صادرات القطاع. وتوقّع المعهد، في سيناريو غياب ضريبة كربون محلية، تراجع صادرات الأسمدة بنسبة 3.86% في 2026. وهذا تقدير نموذجي، لا خسارة محققة حتى الآن. وتشير الدراسة إلى احتمال تحمّل الشركات المصرية المصدّرة للمنتجات المشمولة أعباء مالية قد تصل إلى 317 مليون دولار سنوياً، بحسب الافتراضات المستخدمة. وهنا تكمن المفارقة: إذا لم تفرض مصر سعراً محلياً للكربون، فقد تذهب الكلفة المرتبطة بانبعاثات صادراتها إلى النظام الأوروبي بدلاً من أن تتحول إلى إيرادات يمكن استخدامها لتمويل التحول الصناعي داخل البلاد. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تعتبر بدورها أن مصر معرضة بدرجة مرتفعة للآلية الأوروبية، بسبب كثافة الطاقة والانبعاثات في قطاعات صناعية رئيسية. الجزائر والمغرب وتونس... التأثير ليس واحداً لا تتوزع المخاطر بالتساوي على الاقتصادات المغاربية. ففي تقييم نشره صندوق النقد الدولي خلال 2026، قد تواجه الصادرات الجزائرية كثيفة الانبعاثات تكاليف إضافية كبيرة، وخصوصاً في قطاعات الإسمنت والحديد والصلب. وقدّر أحد نماذج الصندوق زيادات في الأعباء تعادل ما بين 2.4 نقطة مئوية للأسمدة ونحو 67 نقطة مئوية لبعض منتجات الإسمنت والحديد والصلب، مقارنة بقيمة الصادرات. لكن الصندوق حذّر من التعامل مع هذه النتائج كتوقعات مؤكدة. فالنماذج التي تأخذ في الاعتبار إعادة توجيه التجارة وتغير الأسعار قد تُظهر نتائج مختلفة، بل إيجابية لبعض القطاعات. وفي المقابل، تشير تقديرات سابقة للصندوق إلى انكشاف أكثر محدودية للمغرب، مع تركّز المخاطر في الأسمدة، ولتونس في بعض منتجات الإسمنت والألمنيوم. المسألة إذاً ليست عربية واحدة: لكل دولة مزيج مختلف من الصناعات والأسواق ومصادر الكهرباء، ما يجعل أثر الآلية مرتبطاً بالتكنولوجيا المستخدمة وبكفاءة الإنتاج، وليس بالجغرافيا وحدها. تدافع أوروبا عن النظام باعتباره أداة لضمان المنافسة العادلة وتسريع خفض الانبعاثات، وتؤكد أنه صُمّم ليتوافق مع قواعد التجارة الدولية. لكن الدول النامية تواجه إشكالية مختلفة: كيف يُطلب من مصانعها الاستثمار في معدات أقل تلويثاً، وأنظمة قياس ومراقبة متقدمة، في وقت ترتفع فيه كلفة التمويل وتشتد المنافسة الدولية؟ تطوير مصنع للأسمدة أو الحديد يحتاج إلى استثمارات كبيرة، وتأمين الكهرباء النظيفة ليس متاحاً بالكلفة نفسها في جميع البلدان. ولا تكفي الإعفاءات أو الاعتراضات السياسية لحل هذه المعضلة.