في كل مرة تلوح فيها نذر حرب جديدة، يعود الخوف إلى الجنوب قبل أي مكان آخر. بيوت لم تُرمم بعد، نازحون لم يعودوا، أرزاق ضاعت، ومستقبل ما زال معلقاً على احتمال جولة جديدة لا يعرف أحد أين تبدأ ولا كيف تنتهي. وفي ظل هذا الواقع، لا يساهم خطاب حزب الله في تبديد القلق. على العكس، يبقى احتمال المواجهة مفتوحاً، فيما تُرفع مجدداً شعارات الصمود ويجد أهل الجنوب والضاحية أنفسهم أمام احتمال دفع الثمن مرة أخرى. الدخول في حرب جديدة لن يكون حدثاً يمكن التعامل معه كجولة عابرة. الجنوب لم يتعافَ بعد من آثار ما سبق، وأي مواجهة واسعة جديدة قد تدفع ما تبقى من حياة اقتصادية واجتماعية إلى حافة الانهيار. ولا يمكن الاستمرار في تحميل الناس نتائج قرارات تتداخل فيها حسابات إقليمية لا تُصنع كلها في بيروت ولا تنطلق بالضرورة من المصلحة اللبنانية. لهذا، على القيادة اللبنانية أن ترسم خطاً أحمر واضحاً. لم يعد كافياً القول إن لبنان لا يريد الحرب أو التحدث بصورة عامة عن السيادة. المطلوب موقف سياسي صريح يؤكد أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة، وأن جر البلاد إلى مواجهة جديدة خارج مؤسساتها لن يمر وكأنه أمر طبيعي. الغموض في لحظة كهذه لا يحمي البلد. بل يترك الباب مفتوحاً أمام التأويل، ويزيد خوف الناس الذين لا يعرفون إن كانوا سيستيقظون غداً على جولة جديدة من التصعيد. وهنا تقع مسؤولية كبيرة أيضاً على الرئيس نبيه بري. بري ليس متفرجاً على المشهد، ويملك وزناً سياسياً وقدرة حقيقية على التأثير. والمطلوب منه موقف واضح بأن لبنان لا يمكن أن يدخل حرباً خدمةً لأي حساب إقليمي، أياً كان مصدره، وأن أي تحالف سياسي يجب أن يبقى في خدمة اللبنانيين واستقرارهم، لا أن يتحول إلى غطاء لقرار عسكري يدفع المدنيون ثمنه. التحالفات السياسية ليست غاية بحد ذاتها. قيمتها تُقاس بقدرتها على حماية الناس ومنع الانهيار. وإذا تحولت إلى سبب للصمت أمام خطر حرب جديدة، فإنها تفقد مبررها. الجنوب لا يحتاج اليوم إلى المزيد من الشعارات. يحتاج إلى عودة أهله، وإعادة إعمار بيوته، واستعادة اقتصاده، وإلى شعور حقيقي بأن هناك دولة تمنع تكرار ما حدث. المطلوب موقف لبناني جامع: لا حرب جديدة تُفرض على البلاد، ولا قرار عسكري خارج الدولة، ولا استخدام للبنان كساحة في صراع الآخرين. هذه ليست قضية الجنوب وحده، ولا قضية طائفة بعينها. إذا انهار الجنوب، يدفع لبنان كله الثمن. ولهذا فإن الخط الأحمر المطلوب اليوم يجب أن يكون وطنياً وواضحاً: لبنان ليس ساحة حرب لأحد، ودم اللبنانيين وبيوتهم ومستقبلهم ليس ورقة تفاوض في يد أي محور. قرار الحرب والسلم للدولة وحدها، وحماية البلد مسؤولية جميع اللبنانيين.