بين مساعٍ لبنانية لإعادة ترتيب العلاقات مع دمشق، وأولويات سورية تتجاوز ملف النازحين، جاءت الزيارة الوزارية اللبنانية لسوريا محمّلة بملفات شائكة، لكن من دون مؤشرات إلى حلول قريبة. فالعنوان المعلن كان معالجة أزمة النزوح السوري، فيما تكشف خلفيات الزيارة أن ضبط الحدود ومكافحة تهريب السلاح والمخدرات، إلى جانب التحديات الأمنية الإقليمية، تصدّرت جانباً أساسياً من النقاشات. أولاً: زيارة في إطار الانفتاح… ولكن! ليست الزيارة الوزارية اللبنانية إلى دمشق سوى محطة جديدة في مسار إعادة ترميم العلاقات بين البلدين، في ظل مساعٍ تبذلها الحكومة اللبنانية لإظهار حسن النية والاستعداد للتعاون مع الجانب السوري، وسط دفع عربي باتجاه تحسين العلاقات اللبنانية – السورية وإعادة تنظيمها على أسس جديدة.وإذا كان ملف النازحين السوريين قد تصدّر العناوين المعلنة للزيارة، فإن المعطيات تشير إلى أن أولويات دمشق في هذه المرحلة تقع في مكان آخر.فبحسب المعلومات، لا يُبدي الجانب السوري حماسة لحسم ملف عودة النازحين في الوقت الراهن، في ظل غياب الضوء الأخضر الخارجي، وانشغال السلطات السورية بتحديات داخلية وأمنية أكثر إلحاحاً.وعليه، يبدو أن مسار معالجة النزوح لا يزال طويل الأمد، فيما تتقدّم عليه ملفات أخرى، أبرزها ضبط الحدود والمعابر، ومكافحة تهريب الأسلحة والمخدرات، فضلاً عن إعادة تنسيق العلاقات الأمنية بين البلدين. ثانياً: غياب وزير الداخلية… إشارة سلبية في مستهل الزيارة؟ لم تبدأ الزيارة من دون مفاجآت. فقبل انطلاق الوفد من لبنان باتجاه سوريا، سُجّل غياب لافت لوزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار عن الوفد اللبناني، بعد اعتذار نظيره السوري أنس خطاب عن استقباله لأسباب خاصة طارئة.ورغم التبريرات الرسمية، قرأت أوساط متابعة في هذا التطور إشارة سلبية، نظراً إلى الدور المحوري الذي تضطلع به وزارتا الداخلية في البلدين، سواء في ملف النازحين أو ضبط المعابر الحدودية وتنظيم الدخول والخروج والتنسيق الأمني.ومن هنا، برزت تساؤلات عمّا إذا كان غياب اللقاء بين الوزيرين يعكس عدم استعداد دمشق لمنح هذه الملفات الأولوية المطلوبة في المرحلة الحالية.وفي المقابل، لم تغب وزارة الداخلية اللبنانية بالكامل عن الزيارة، إذ اكتفت بإيفاد وفد تقني للمشاركة في المحادثات. أما الوفد الوزاري، فترأسه نائب رئيس الحكومة طارق متري، بمشاركة وزيرة التربية ريما كرامي، ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، ووزير العمل محمد حيدر الذي أكد أن حضوره هو كوزير في الحكومة وليس كممثل عن أي حزب. وأكدت مصادر مقربة من حزب الله لـِ "المدن" أن زيارة حيدر سوريا ضمن هذا الوفد تأتي من منطلق حقيبته الوزارية وانطلاقاً من أن الجانب السوري يريد علاقات من دولة إلى دولة وهو وزير في هذه الدولة. ولا علاقة لعلاقة الحزب بالنظام الجديد في سوريا بمشاركة محمد حيدر.واستُهلّت الاجتماعات في قصر تشرين بلقاء جمع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بالوفد اللبناني، واستمر نحو خمس عشرة دقيقة، قبل أن يغادر الشيباني القصر، ليتولّى معاونه محمد الأحمد متابعة المحادثات، وقد بدا، بحسب المعطيات، أكثر إلماماً من باقي الوزراء السوريين بتفاصيل الملفات المطروحة ومسار النقاشات بين الجانبين. بعدها، انتقل الوزراء اللبنانيون إلى اجتماعات ثنائية مع نظرائهم السوريين، تناولت ملفات التربية والتعليم والعمالة السورية والقضايا المشتركة، قبل أن يجتمع الوفدان على مأدبة غداء، ويعود الوفد اللبناني إلى بيروت.أما اللقاء الذي كان متداولاً مع الرئيس السوري أحمد الشرع، فلم يُعقد، خلافاً لما أُشيع قبيل الزيارة. ثالثاً: النازحون عنوان الزيارة… لكن هل هم أولوية دمشق؟ بالنسبة إلى بيروت، يبقى ملف النازحين السوريين الاختبار الأبرز لجدوى الانفتاح على دمشق، لا سيما أن حكومة الرئيس نواف سلام وضعت معالجة هذه الأزمة ضمن تعهداتها، من دون تحقيق اختراق حاسم حتى الآن.ورغم عودة أكثر من ستمئة ألف نازح، وفق الأرقام المتداولة، من أصل نحو مليوني سوري، لا يزال الملف يطرح تحديات كبيرة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.غير أن ما يشكّل أولوية لبنانية لا يبدو بالضرورة أولوية سورية. فدمشق، بحسب المعلومات، تعتبر أن الوقت لم يحن بعد لمعالجة شاملة لملف العودة، في ظل انشغالها بإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية، والتعامل مع التحديات الأمنية، وفي مقدّمها التوسّع الإسرائيلي في المنطقة.وفي هذا السياق، علم أن ملف التحرّكات الإسرائيلية كان حاضراً خلال اجتماع الاثنين، إذ يرى الجانب السوري أن تنسيق الجهود مع لبنان قد يسهم في بلورة موقف مشترك في مواجهة التوسّع الإسرائيلي، في توجّه يحظى، بحسب المعلومات، بمباركة عربية.وبذلك، تبدو المحادثات أبعد من مجرد البحث في عودة النازحين، لتلامس إعادة رسم أطر التعاون السياسي وا