"ليبانون ديبايت" ـ المحرر السياسي لم يكن كلام رئيس مجلس النواب نبيه بري في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر مجرد موقف عابر من المسار التفاوضي مع إسرائيل. ففي خلفية الكلام، تبدو محاولة لرسم حدود سياسية واضحة. لكن الإعتراض على ما آلت إليه المفاوضات بجولاتها ال7 هو شيء، والقدرة على وقفها أو تغيير مسارها شيءٌ آخر. وبين هذين التفصيلين، يبدو جلياً أن رئيس المجلس كما القوى السياسية المعترضة على اتفاق "الإطار"، قد أصبحوا أمام واقع إقليمي جديد تبدلت فيه موازين القوى بصورة جذرية. والأبرز أنه منذ بدء المسار التفاوضي، لم يعلن الرئيس بري رفضه المفاوضات بشكل صريح، بل ترك الباب مفتوحاً أمام إمكان اتخاذ موقف سياسي إذا أفضت المفاوضات إلى نتائج. وعليه، يقرأ النائب السابق الدكتور فارس سعيد كلام الرئيس بري الأخير، على أنه تعبير عن خلاصة سياسية، مفادها أن النتائج التي كان رئيس المجلس ينتظرها لم تتحقق، وبالتالي لم يعد هناك ما يبرر الإنتقال إلى موقف سياسي مؤيد للمسار. لكن الأهمّ، وفق ما يقول الدكتور سعيد لـ"ليبانون ديبايت"، هو طبيعة الإعتراض نفسه، فالموقف من اتفاق "الإطار" بات أقرب إلى ما يسميه "اعتراض إطار"، أي أنه اعتراض مبدئي وسياسي على الإتفاق والمسار، لا اعتراضاً عملياً يمتلك أدوات تغيير المعادلة. من هنا، فإن المقارنة مع العام 1984 تكتسب دلالة خاصة، وفق ما يؤكد سعيد، ذلك أنه في حينه، اعترض بري والوزير السابق وليد جنبلاط على اتفاق 17 أيار، ولم يبق اعتراضهما في إطار البيانات والمواقف السياسية، بل تُرجم في حركة 6 شباط التي ساهمت في قلب التوازنات السياسية والميدانية في لبنان. أمّا اليوم، فالمشهد مختلف، يضيف سعيد، موضحاً أن كلاً من بري وجنبلاط، يستطيعان الإعتراض وإعلان موقفهما، لكنهما لا يملكان، القدرة نفسها على تحويل هذا الإعتراض إلى فعلٍ يؤدي إلى تغيير الواقع القائم، فالمنطقة تغيّرت، وموازين القوى تغيّرت معها، ولم تعد الظروف التي سمحت في السابق بانقلاب سياسي وميداني متوافرة بالشكل نفسه. بمعنى آخر، يرى سعيد أنه يمكن تسجيل الإعتراض، لكن يصعب تحويله إلى قرار قادر على تعطيل المسار. ولا ينفصل هذا الواقع عن طبيعة القرار المتعلق بالتفاوض مع إسرائيل، فبحسب سعيد، يدرك بري وجنبلاط أن هذا المسار ليس قراراً منفرداً اتخذه رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، بل جاء في سياق تشاور الرئيسين مع دوائر القرار العربية والخليجية. وبالتالي، يؤكد سعيد أن أي محاولة لبنانية منفردة للوقوف في وجه المسار تصطدم بمعادلة إقليمية أوسع، لأن المفاوضات لم تعد مجرد خيار داخلي يمكن حسمه من خلال توازنات القوى اللبنانية، بل أصبحت جزءاً من مسار إقليمي تتداخل فيه حسابات عربية وخليجية ودولية. من هنا، يصبح الفصل ضرورياً بين الإعتراض على التفاوض وبين الإنقلاب عليه والقدرة على منعه، فالأول متاح سياسياً، أما الثاني فلم يعد متاحاً بالسهولة التي كان عليها في مراحل سابقة. في هذا السياق، يجزم سعيد أن استمرار التحضير للجولة المقبلة في روما، يشكل المؤشر الأوضح إلى أن المسار التفاوضي لم يتأثر بالإعتراضات السياسية، فالموعد المرتقب، والذي يُفترض تحديده قريباً، يؤكد أن المفاوضات تسير إلى الأمام، حتى في ظل تسجيل تحفظات واعتراضات من جانب قوى سياسية أساسية، وبالتالي، فإن موقف بري في ذكرى الإمام موسى الصدر، يمكن قراءته باعتباره محاولة لتثبيت موقع سياسي واعتراض على النتائج وشروط المسار، لا باعتباره إعلاناً عن معركة قادرة على وقف التفاوض، ذلك ان المعادلة مختلفة إذ يمكن الإعتراض، ويمكن رفع الصوت، ويمكن تسجيل التحفظات، لكن القدرة على تغيير المسار الإقليمي شيء آخر تماماً. وفي ظل هذه المعادلة، يعتبر سعيد أن التفاوض مستمر، فيما يبقى اعتراض بري في إطار الضغط السياسي وتثبيت الموقف، من دون امتلاك الأدوات اللازمة لقلب الطاولة.