يبدو أن جمعية مصارف لبنان، برئاسة سليم صفير، لا تزال تتقن فنّ الدفاع عن مصالح المصارف، فيما يقف المودعون منذ سنوات عاجزين عن استعادة أموالهم. فبعد أزمة مالية أطاحت بمدخرات اللبنانيين، تخوض الجمعية اليوم معركة جديدة، ولكن هذه المرة في مواجهة وزارة المال، اعتراضاً على مطالبات ضريبية تصل قيمتها إلى 600 مليون دولار. واللافت أن المصارف التي عجزت طوال سنوات عن تقديم حلول جدية لإعادة الودائع، وجدت سريعاً الوسائل القانونية والإدارية اللازمة للتحرك عندما وصلت المطالبات المالية إلى خزائنها، فاستنفرت جمعيتها، وأعدّت المطالعات القانونية، وكثّفت المراسلات، ودفعت باتجاه اجتماعات مع وزارة المال لمناقشة التكليفات الضريبية. وتتمحور القضية حول فروقات محاسبية مرتبطة بسندات "اليوروبوندز" وأسعار الصرف، إذ تتمسك وزارة المال بحقها في إخضاع أرباح محاسبية ناتجة عن هذه الفروقات للضريبة، مستندة إلى قرارات تنظيمية ورأي صادر عن هيئة التشريع والاستشارات مطلع عام 2025. في المقابل، ترفض جمعية المصارف هذه المطالبات، معتبرة أنها تستهدف أرباحاً دفترية غير محققة، وتستند إلى معالجات محاسبية غير عادلة، ولا سيما احتساب بعض الخسائر وفق سعر صرف 1515 ليرة للدولار، مقابل احتساب الأرباح الخاضعة للضريبة وفق السعر الحالي البالغ 89,500 ليرة. لكن الأخطر في موقف الجمعية ليس اعتراضها القانوني، وهو حق يمكنها ممارسته، بل لجوؤها مجدداً إلى ورقة المودعين لتبرير رفض المطالبات، إذ تحذّر من أن تسديد مبلغ 600 مليون دولار سيستنزف سيولة القطاع المصرفي ويضعف قدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه أصحاب الودائع. وهنا تبرز المفارقة الصارخة: عندما يطالب المودعون بأموالهم، تتحصّن المصارف خلف أزمة السيولة والخسائر والانهيار المالي. وعندما تطالب الدولة بمستحقات تعتبرها قانونية، تعود المصارف إلى الحجج نفسها، وكأن أموال المودعين أصبحت الدرع الذي يُرفع في وجه أي مطالبة مالية. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل تحوّلت حقوق المودعين إلى ذريعة دائمة لحماية المصارف من تحمّل أعبائها ومسؤولياتها؟ فجمعية المصارف التي تسارع اليوم إلى الدفاع عن 600 مليون دولار، مطالبة بأن تُظهر الحماسة نفسها في الدفاع عن مليارات الدولارات التي لا يزال أصحابها محرومين من استعادتها، بدلاً من الاكتفاء باستحضار معاناتهم كلما استدعت مصالح القطاع ذلك. ولا تتوقف المسألة عند هذا الحد، إذ تعود الجمعية في مطالعتها القانونية إلى تحميل الدولة المسؤولية الأساسية عن الانهيار، متحدثة عن استهلاك الأموال الموظفة لدى مصرف لبنان وتخلّف الدولة عن سداد التزاماتها. لكن هذه الرواية، مهما تضمنت من وقائع تستوجب المحاسبة، لا تلغي مسؤولية إدارات المصارف عن قراراتها المالية، ولا تمنحها حصانة من التدقيق الضريبي. وإذا كانت المصارف مقتنعة بأن المطالبات غير قانونية، فعليها إثبات ذلك بالأرقام والمستندات أمام الجهات المختصة، لا الاكتفاء بالتحذير من انعكاساتها على المودعين. وفي المقابل، تقع على وزارة المال مسؤولية إثبات سلامة التكليفات وعدم التراجع عن أي حقوق ثابتة للخزينة تحت وطأة الضغوط. فالمبالغ المطالب بها ليست تفصيلاً في بلد يعاني انهياراً مالياً وعجزاً في تمويل الخدمات الأساسية، وأي تسوية محتملة يجب أن تخضع لمعايير قانونية ومحاسبية شفافة، بعيداً عن المساومات التي قد تؤدي إلى التفريط بحقوق الدولة. واللافت أن صفير وجمعيته يظهران اليوم قدرة كبيرة على تنظيم مواجهة قانونية ومالية لحماية مصالح المصارف، فيما لم يلمس المودعون طوال السنوات الماضية اندفاعاً مماثلاً لإيجاد حلول فعلية تعيد إليهم حقوقهم. وفي المحصلة، لا يمكن الجزم بصحة المطالبات الضريبية قبل حسم النزاع قانونياً، لكن المؤكد أن جمعية المصارف تخوض معركة لإسقاط تكليفات قد تبلغ 600 مليون دولار، مستخدمةً أزمة السيولة وحقوق المودعين في صلب دفاعها. ويبقى السؤال الأكثر إحراجاً لسليم صفير وجمعيته: لماذا يُستنفَر القطاع المصرفي بهذه القوة عندما تكون مئات ملايين الدولارات على المحك، فيما لا يزال أصحاب الودائع ينتظرون منذ سبع سنوات استنفاراً مماثلاً لاستعادة أموالهم؟