في تحقيق يكشف جانباً من الآليات الخفية التي تعتمدها طهران للحفاظ على قدراتها العسكرية رغم العقوبات الغربية والحصار الأميركي، كشفت وكالة "رويترز" عن شبكة إيرانية تضم أكثر من خمسة آلاف جهة مرتبطة بالمؤسسة العسكرية، تمكّنت من تأمين واردات من المعدات والمكوّنات والمتفجرات والآليات الثقيلة بمليارات الدولارات، في وقت تتواصل فيه الضغوط العسكرية والاقتصادية على إيران. ويستند التحقيق، الذي أعدّه غافن فينش وماغي مايكل وأليسون مارتيل ومارين ديلرو، إلى آلاف الوثائق المصرفية والحكومية الإيرانية، وسجلات الشركات والشحنات التجارية، بالتعاون مع شركة "240 Analytics" المتخصصة في تحليل المخاطر. وبحسب التحقيق، تعمل الشبكة من خلال آلاف الكيانات التي تحمل رموزاً تبدأ بالأحرف "MOD"، في إشارة إلى وزارة الدفاع الإيرانية، وتتبعها أرقام تعريفية خاصة. وتشترك هذه الجهات في عنوان مرتبط بوزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية في طهران، فيما تُظهر الوثائق أن معظمها أُنشئ فعلياً عام 2013، رغم إدراج تواريخ تسجيل أقدم في سجلاتها. والأكثر إثارة أن إحدى هذه الجهات، وتحمل الرمز "MOD 346428"، استوردت وحدها معدات عسكرية بلغت قيمتها نحو 2.3 مليار دولار بين كانون الثاني 2025 وحزيران 2026، شملت مواد تدخل في صناعة الوقود الصاروخي والمتفجرات، ومكوّنات للطائرات المسيّرة والصواريخ، إضافة إلى شاحنات ثقيلة يمكن استخدامها منصات إطلاق متنقلة. وكشفت الوثائق أن الشبكة تعتمد آلية مالية تساعدها على تفادي أنظمة مراقبة التحويلات الدولية، إذ جرت تسوية 97 في المئة من الشحنات التي راجعها المحققون تحت تصنيف "من دون تحويل عملة". وتتيح هذه الآلية، بحسب التحقيق، استخدام أموال موجودة خارج إيران لشراء البضائع وشحنها، من دون الحاجة إلى تحويلات مصرفية دولية تقليدية لكل صفقة. ولم تتوقف الواردات عند المعدات العسكرية المباشرة. فقد شملت مئات الشاحنات ومكوّنات المحركات والإلكترونيات والمعادن والآلات الصناعية المتطورة، وهي سلع يمكن أن تكون ذات استخدام مزدوج، مدني وعسكري. ومن أبرز الأرقام التي كشفها التحقيق استيراد 435 شاحنة إضافية من طراز "إيفيكو" خلال الفترة الممتدة بين مطلع 2025 ومنتصف 2026، فضلاً عن شحنات من التيتانيوم والمواد الكيميائية الداخلة في صناعات الصواريخ، وشحنات صواعق روسية بلغت قيمتها الإجمالية 7.6 ملايين دولار منذ مطلع عام 2025. كما أظهرت السجلات أن بعض المعدات وصلت من الصين وروسيا، إضافة إلى بضائع سُجّل منشؤها في دول أوروبية. غير أن إدراج بلد منشأ في الوثائق لا يثبت بالضرورة تورّط حكومته أو الشركات المصنّعة في عمليات شراء عسكرية غير مشروعة، خصوصاً أن عدداً من الشركات المعنية نفى علمه بالوجهة النهائية للمنتجات. وفي مثال لافت، ربط التحقيق بين واردات مواد كيميائية إلى ميناء بندر عباس والانفجار الضخم الذي وقع فيه في نيسان 2025 وأوقع عشرات القتلى وأكثر من ألف جريح. إلا أن "رويترز" أوضحت أنها لم تتمكّن من إثبات أن الشحنة الأخيرة التي رصدتها كانت سبب الانفجار. وتبرز خطورة هذه الشبكة في قدرتها المحتملة على توفير المواد اللازمة لإعادة بناء مخزون الصواريخ والطائرات المسيّرة، حتى في ظل العمليات العسكرية التي تستهدف منشآت التصنيع والتخزين داخل إيران. أما بالنسبة إلى لبنان، فيفتح التحقيق باب التساؤل حول قدرة طهران على الحفاظ على منظومة تسليحها الإقليمية، وانعكاسات ذلك على حلفائها، وفي مقدمهم "حزب الله". لكن الوثائق المعروضة لا تثبت أن الشحنات التي رصدها التحقيق نُقلت إلى الأراضي اللبنانية أو وصلت إلى الحزب. وتكمن الخلاصة الأبرز في أن العقوبات والحصار قد يعرقلان الإمدادات العسكرية الإيرانية من دون أن يوقفاها بالكامل، في ظل شبكة مشتريات واسعة تتداخل فيها المؤسسات الرسمية والواجهات التجارية والوسطاء الخارجيون. وإذا كانت الضربات العسكرية تستهدف المصانع ومنصات الإطلاق، فإن ما تكشفه "رويترز" يطرح تحدياً مختلفاً: كيف يمكن تعطيل منظومة إمداد لا تعتمد على شركة واحدة أو حساب مصرفي واحد، بل على آلاف الكيانات وعشرات مسارات التجارة والتمويل؟