في حملته الرئاسية الأخيرة، لم يبذل الرئيس دونالد ترامب جهداً يوازي ما يفعله في الأسابيع الأخيرة، متنقلاً بين الولايات إلى حد إجهاد الرجل الثمانيني، الذي ازداد نزقه المعتاد كلما اقترب الموعد، فيما الأرقام لا تبشّره بخير. وإذا صدقت أرقام أحدث استطلاعات الرأي، فإن اليوم الثلاثاء سيحمل أكثريتين ديموقراطيتين إلى الكونغرس، في مجلسي النواب والشيوخ معاً. وهذا يعني سنتين صعبتين على الجميع، بدءاً بالمكتب البيضوي نفسه، الذي سينصرف رئيسه إلى الدفاع عما تبقّى من وعوده العالقة، والدفاع عن إرثه الذي سيكون تحطيمه موضع عناية خاصة من المشرّعين الديموقراطيين، وعن زعامته للحزب الجمهوري الذي لن يجد في نهاية المطاف من يلومه غير دونالد ترامب على إخراجه من جنّة الأكثرية. قبل كل هذا، قد يكون ترامب أسوأ خاسر على الإطلاق. وإذا كان من إرث سيتركه للأميركيين، فهو أنه لا يعترف بالخسارة، ويرفض الاقتناع بأن مثل هذا الشؤم يمكن أن يحصل معه. ومع أن بإمكانه، بسهولة، رمي المسؤولية على الآخرين، كل الآخرين، أو حتى على عادة الأميركيين الابتعاد عن الحزب الحاكم في كل انتخابات نصفية، فإن هذه الانتخابات تدور من جديد حوله، كما كل انتخابات منذ عام 2016، أي منذ عقد كامل. الرئيس الذي تعامل كل هذه السنوات مع الحزب الجمهوري بصفته شركة خاصة، فرّغ هذا الحزب المحافظ من التنوع والاختلاف المطلوبين لتطويره وبقائه فاعلاً ومنتجاً لقيادات وتيارات يمكنها منافسة الحزب المقابل وحركيته المستمرة. الأكثرية الساحقة من المرشحين في الانتخابات الحالية هم ممن فازوا في الانتخابات التمهيدية بفارق واسع عن منافسيهم التقليديين، حتى المثيرين للجدل منهم، مثل كين باكستون، الذي قد يكلّف الجمهوريين مقعداً في مجلس الشيوخ في تكساس ذاتها. الانتخابات حوله إذاً، ونتائجها تصبّ عنده. إذا لم يحقق الديموقراطيون أكثرية في مجلس الشيوخ، فهذا انتصار سيعيش عليه للعامين المقبلين. أما إذا خسر الجمهوريون في ولاياتهم الحمراء الخمس، تكساس وكانساس وأوهايو وألاسكا وأيوا، فالنتيجة ستكون بداية النهاية لظاهرة دونالد ترامب. ناخبون يدلون بأصواتهم في مركز اقتراع داخل مركز تجاري بمدينة أنكوريج في ولاية ألاسكا الأميركية، 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، عشية الانتخابات النصفية الأميركية. (أ ف ب) لكن ترامب لا يتألق إلا في زمن الصراعات والانقسام الحاد. هكذا دخل الانتخابات أول مرة دخول مصارع وحيد إلى حلبة هائلة، الجميع فيها ضده، بدءاً من الجمهوريين، وخرج منها رئيساً. وهكذا خاض المواجهة المريرة مع حركة "حياة السود مهمة"، ومن ثم مع أزمة كوفيد. وحتى مغادرته البيت الأبيض سُجّلت كسابقة في تاريخ البلد. الآن يقف قريباً من عاصفة ديموقراطية قد تفسد عليه لياليه ونهاراته المتبقية في الرئاسة. ومع ذلك، وبالقياس إلى أنماطه المتكررة في العمل السياسي، لن يكون ترامب إلا مرحباً بالمعارك المقبلة، طابعاً ما يكفي من الأوامر التنفيذية لإغراق مكتبه، ومصدراً ما يكفي من الفيتوهات ليستحق اللقب الذي أطلقه على نفسه "مستر فيتو". غير أن صراعات سابقة مشابهة غالباً ما انعكست على أميركا اقتصادياً. نفور الأميركيين من الإدارة الحالية وسقوط شعبية الرئيس إلى أدنى مستوياتها، كان سببهما الاقتصاد في المقام الأول. إنها الأسئلة المعيشية التي يجيد الديموقراطيون الإجابة عنها بينما يعجز الجمهوريون عن ذلك. ترامب وعد بمعجزات اقتصادية وسياسية وغيرها، لم يتحقق منها شيء على الرغم من أن السلطة التشريعية تحت سطوته، وازداد التضخم. وبينما يخوض الديموقراطيون حرب 3 تشرين الثاني لإنقاذ الاقتصاد من ترامب، وإنقاذ أميركا، يخوض الجمهوريون حربهم لإنقاذ الكونغرس من مرشح اسمه عبد الرحمن، أو عبدول، أو محمد، أو غيرها من الأسماء التي تتغيّر يومياً عند ترامب. وهذان عنوانان غير متكافئين لانتخابات بحجم الانتخابات النصفية، في بلد بحجم أميركا.