كشف كتاب "قوة النيران" للجنرال الإسرائيلي في الاحتياط يعقوب زيغدون، كيف أن هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، الذي شنته حركة "حماس" على جنوب إسرائيل فأطلق شرارة الحرب المدمرة في غزة، دفع المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى إعادة النظر في جدل استمر نحو 17 عاماً، منذ حرب لبنان العام 2006: أيهما أكثر حسماً، القوة النارية أم المناورة البرية؟ ورغم صدوره في أيار/مايو الماضي، مازال الكتاب يحظى بتفاعل باحثين إسرائيليين في الشؤون الأمنية عبر منصة "إكس"، من خلال تداول مقتطفاته ومناقشة استنتاجاته وشهادات عسكريين عن حروب غزة ولبنان وساحات أخرى. واستند زيغدون إلى شهادات جنرالات وضباط شاركوا في الحرب، وردت أسماؤهم بصيغ رمزية بطلب من الرقابة العسكرية، بحسب المحلل الأمني الإسرائيلي غال بيرل. وخدم زيغدون (70 عاماً) طوال عقود في سلاح المدفعية، ويتحدر من عائلة يهودية ليبية من مدينة طرابلس، قدمت إلى إسرائيل العام 1949 بعد عام من النكبة. وتولى زيغدون عدداً من المناصب القيادية في الجيش الإسرائيلي، من بينها رئاسة أركان قيادة المنطقة الوسطى خلال الانتفاضة الثانية، وقيادة كلية القيادة والأركان المشتركة بين الأسلحة. كما ألف ثلاثة كتب عسكرية هي "المدفعية في حرب لبنان الأولى" و"دراسات في نظرية بناء القوة العسكرية، وأخيراً "قوة النيران". وتكشف مضامين الكتاب تحولاً في التفكير العسكري الإسرائيلي منذ الساعات الأولى لهجوم "حماس"، نحو دمج القوة النارية بالمناورة البرية، فيما تجاهل الكاتب الخوض في لجوء الجيش الإسرائيلي إلى نموذج "هانيبال" لحسم معركة الغلاف سريعاً في غضون ثلاثة أيام، عبر إطلاق قذائف ونيران دمرت مبان ومنازل، لقتل كل من في داخلها، ويمكن النظر إلى توسيع احتلال مناطق في غزة ولبنان وسوريا باعتباره نموذجاً لإعادة التفكير الإسرائيلي في مفاهيم السيطرة والعمق الأمني، بما يتجاوز اعتبارات أيديولوجية مرتبطة باليمين الإسرائيلي المتطرف، ومسألة بقائه في الحكم من عدمه. وليس غريباً أن يخصص زيغدون كتاباً لسلاح المدفعية ومنظومة النيران في الجيش الإسرائيلي، أو أن يكتب رئيس هيئة الأركان السابق هرتسي هاليفي مقدمته. فالمسألة تتجاوز توثيق أداء السلاح خلال الحرب، إلى مراجعة سؤال عسكري ظل حاضراً منذ حرب لبنان الثانية: لماذا لم تتمكن القوة النارية، رغم التفوق الجوي والتكنولوجي، من فرض الحسم على حزب الله؟ وأشار هاليفي إلى أسئلة طرحها قادة في القوات البرية خلال النقاشات المتعلقة بصياغة الخطة العسكرية متعددة السنوات، أبرزها: "هل مازلت تؤمن بالمناورة البرية؟" وكانت إجابته أن المناورة ليست "مسألة إيمان، بل ضرورة". ولا تعكس هذه الإجابة رأياً شخصياً فحسب، بل تلخص اتجاهاً في التفكير العسكري الإسرائيلي يرى أن السيطرة على الأرض لا تتحقق بالقصف وحده، وأن القوة النارية تحتاج إلى قوات برية تستثمر نتائجها ميدانياً. ولا تنفصل هذه الرؤية عن نتائج أفرزها توظيف القوة النارية المكثفة في الحروب الإسرائيلية، وما رافقها من دمار واسع في غزة، بالتوازي مع توسيع الاحتلال في لبنان وسوريا. ولا تعني إعادة الاعتبار إلى العمليات البرية تراجع الاعتماد على النيران، بل توسيع أدوات استخدامها لتحقيق غايات ومآرب عسكرية وميدانية تجعل من التدمير وسيلة للسيطرة. وفيما كشفت حرب لبنان 2006، محدودية التعويل على القصف بعيد المدى، واصلت إسرائيل تطوير قدراتها النارية والاستخبارية والتكنولوجية، بالتوازي مع إعادة الاعتبار للمناورة البرية، لكن المشكلة بقيت موجودة، فالتدمير لا يعني بالضرورة احتلال الأرض أو تحقيق الأهداف العسكرية، بحسب تصريحات لقادة عسكريين في الكتاب. وفي مقدمة الكتاب، رأى هاليفي أن التنافس بين النيران والمناورة على الأرض، وبين النيران البرية والجوية، ليس مُجدياً، وربما يكون ضاراً، لأن التفوق بحسب رؤيته، يتحقق بدمج القدرات حيث تمهد النيران الطريق أمام القوات البرية، فيما تحول المناورة نتائج الضربات إلى تقدم وسيطرة ميدانية. وذهب الكتاب إلى نموذج الأرض المحروقة في بيت حانون لتأكيد التصور العسكري. ووصف قائد "الكتيبة 697"، المدفعية كـ"ساتر متحرك" إذ ترافق القوات المتقدمة وتساعد في عزل مناطق القتال وتأمين عمليات الإخلاء والإنقاذ، في بيئة تتداخل فيها مخاطر القناصة والعبوات والأنفاق، بحسب توصيف الضباط الإسرائيليين. وبذلك، لم تعد المدفعية مجرد سلاح إسناد، بل جزءاً من منظومة نيران واستخبارات واستطلاع تعمل بالتوازي مع حركة القوات العسكرية. ومن أبرز ما يكشفه الكتاب إقرار هاليفي بأن غياب المدفعية في فرقة غزة العسكرية، كان أحد أوجه القصور خلال هجوم 7 أكتوبر، وأن وجودها كان يمكن أن يحد من تقدم مقاتلي "حماس" المهاجمين ويلحق بهم الخسائر، لكن معلقين إسرائيليين رأوا أن ذلك لا يفسر الإخفاق الذي تجاوز غياب سلاح بعينه إلى