خصصت الجلسة الأولى من اليوم الثاني من المنتدى السنوي للدراسات السورية المعاصرة في دورته السادسة، لمناقشة العودة والنزوح وتفكيك المخيمات وحماية المدنيين، عبر ثلاث أوراق بحثية تضمنت سياسة "صفر مخيمات"، وخيارات اللاجئين بين العودة والاستقرار، وفجوة العلاقة بين الامتثال للقانون الدولي والضبط الفعلي لسلوك الفاعلين المسلحين. بدأت الجلسة بتناول ورقة مهمة جداً للباحث سامر بكور من المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، عنونها "سياسة صفر مخيمات ومسارات العودة الآمنة للمهجرين في سوريا"، وبحثت تلك الدراسة تحديات العودة الآمنة والطوعية للنازحين داخلياً وتفكيك المخيمات، في ضوء تحولات أنماط العودة والنزوح خلال عامي 2025 و2026 واستمرار الاحتياجات الإنسانية. واقترحت الورقة مقاربة مرحلية ومشروطة لتفكيك المخيمات تقوم على الضمانات الأمنية واسترداد حقوق السكن والتعويض واستعادة الخدمات الأساسية، لمنع العودة القسرية أو المبكرة، وخلصت إلى معايير وتوصيات عملية لإدارة العودة وإغلاق المخيمات. وفي النقاش، جرى التنبيه إلى حساسيات عودة بعض النازحين إلى مناطقهم، وإلى الأثر النفسي المتراكم بعد نحو 14 عاماً من الأزمة، مع التأكيد على الحاجة إلى برامج دعم نفسي. وشددت الدراسة على أن إغلاق آخر مخيم لا يعني بالضرورة نجاح إنهاء النزوح، وأن المخيم ليس مجرد خيمة أو مساحة جغرافية، بل تعبير عن علاقة الإنسان بالمكان. ودعا بكور كي لا تتحول سياسة "صفر مخيمات" إلى سباق محموم لإزالة الخيام، بل إلى مشروع وطني، وإلى عدم استعارة قوالب جاهزة من تجارب مهمة في كينيا أو العراق أو البوسنة، لتضمن ألا يضطر المواطن إلى البحث عن مخيم جديد. اللاجئون: عودة مشروطة وثقة هشة وفي ورقة مهمة أخرى قدّم الدكتور عزام الأمين من جامعة ليون الثانية والباحثة الجزائرية مريم عوادي( لم تحضر)، دراسة بحثية عنوناها "العودة أم الاستقرار؟ محددات خيارات اللاجئين السوريين"، لتبحث مواقف اللاجئين السوريين في أوروبا وأميركا الشمالية من العودة في المرحلة الانتقالية، والعوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والسياسية المؤثرة فيها، عبر منهج كمي ارتباطي. وأظهرت نتائج الورقة أن نية العودة متوسطة وتميل إلى الانخفاض، وترتبط بشكل إيجابي بالتمسك بالثقافة الأصلية والشعور بالتمييز والثقة بالسلطة الانتقالية في دمشق، وسلباً بالاندماج والتواصل مع المجتمع المضيف. وبحسب د. الامين، بلغت العينة نحو 400 مستجيب، غالبيتهم في ألمانيا، وأفاد نحو 66% بأنهم يفكرون في العودة قريباً، و19% كانوا حياديين و14% رافضين، في حين رأى 57% أن مستقبلهم سيكون في أوروبا على المدى الطويل. وبلغت الثقة بالسلطة الانتقالية نحو 50% وصفها الدكتور بأنها منخفضة، وظهرت كأقوى محدد لنية العودة. وأوضح الباحثان أن الاندماج لا يعني التخلي عن الثقافة الأصلية، بل الجمع بين الهويتين، خلافاً لفكرة الانصهار، وأوصيا ببناء الثقة عبر دستور جامع وتحسين الاقتصاد، والأمن والصحة وتفعيل الحياة السياسية وتعزيز الانتماء الوطني. كذلك قدّمت الدكتورة ماري قرطام، رئيسة قسم الأبحاث والمناصرة في مركز الأرز للدراسات القانونية في لبنان، ورقة بعنوان "عندما لا تكفي القواعد: الامتثال وضبط السلوك وحماية المدنيين في شمال غرب سوريا 2011–2025" ، ضمن مشروع بحثي تتبناه جامعة يورك في بريطانيا، استندت إلى عمل ميداني نوعي استمر ثلاث سنوات. وخلصت الدراسة إلى أن الانخراط في آليات الامتثال لا يؤدي بالضرورة إلى ضبط السلوك، وأن بعض الفاعلين حققوا ضبطاً عبر آليات غير مرتبطة بالقانون الدولي، وأن النظم المعيارية المحلية قد تكون أكثر فاعلية في الحد من العنف في سياقات الحوكمة الهجينة. واقترحت د.ماري مقاربة "ما بعد الامتثال" بثلاثة مستويات: الإطار القانوني الدولي وحقوق الإنسان والأعراف ذات الصلة، ومدى التزام الجماعات المسلحة بالمعايير المعترف بها دولياً أو محلياً، ثم الضبط الفعلي للسلوك والكف عن العنف والإساءة. وفي ضوء المشهد بعد كانون الأول 2024، فتحت الدراسة نقاشاً حول فرص إعادة التفاوض على معايير الحماية، ومخاطر الهشاشة الأمنية وفراغ مؤسسي قد يضعف آليات الحماية، وأوصت د.ماري برصد التزامات الفاعلين الجدد وخطابهم حول الحوكمة وحقوق المدنيين، وإعادة توزيع السلطة بين الفصائل، إلى جانب قياس الضبط الفعلي بدل الاكتفاء بالامتثال الشكلي. يختتم المنتدى أعماله اليوم الإثنين، حيث تُعلن نتائج استطلاع «المؤشر العربي»، إلى جانب إشهار كتابين جديدين من إصدارات المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة، يتناول أحدهما يوسف العظمة، والآخر عن الجولان.