لم يكن يوم الخميس 22 تشرين الأول عاديًا، ففي هذا اليوم كان "حزب الله" يتحضّر للأسوأ، وقد أعدّ خطّة مُحكمة تبدأ من صيدا ولا تنتهي في بيروت. ولكن كيف وصلت الأمور إلى هذا الحدّ، وكيف انتهت من دون سفك الدماء؟ بدأت القصّة مع توقيف قوى الأمن الداخلي شحنة المتفجّرات التابعة لـ"حزب الله" في ضهر البيدر، وبعدها تحرّك القضاء العسكري، وبدأت كرة الثلج في توجيه الاتهامات إلى "حزب الله" تكبر. حاول "الحزب" العودة إلى أسلوبه القديم، فاتصل قياديّوه ببعض المسؤولين السياسيين والأمنيين لاحتواء الموضوع واستعادة الشحنة، مستذكرين حادثة الكحّالة، لكنّ الرياح جرت عكس ما اشتهت السفن، فكانت أوامر الدولة اللبنانية بعدم التساهل مع الحادثة والتوسّع في التحقيق. عندها، عقد نائب "الحزب" حسن فضل الله مؤتمرًا صحافيًا في مجلس النواب، اعترف خلاله بأنّ الشاحنة لـ"الحزب"، مطالبًا باستعادتها ومهدّدًا الدولة. موقف فضل الله تبعه موقف تصعيديّ آخر بوجه الدولة اللبنانية للنائب حسين الحاج حسن، إلّا أنّ الدولة لم تتراجع، فعرف "حزب الله" أنّ قرار التصعيد القضائي قد اتُّخذ، خصوصًا أنّ الخطوات تزامنت مع اتصال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو برئيس الجمهورية جوزاف عون. فتحسّس "الحزب" رأسه وبدأ يتحرّك عبر الدراجات النارية، محاولًا جسّ نبض الحكومة والدولة ونوايا المسؤولين، وعقد، وفق معلومات خاصة لـ"نداء الوطن"، ليل الأربعاء في 21 تشرين الأول، اجتماعًا أمنيًا في الضاحية الجنوبية لبيروت، سبق جلسة الحكومة بعد ظهر الخميس، ورسم سيناريو تحرّكاته في حال أقرّت الحكومة إحالة ملف شاحنة ضهر البيدر إلى المجلس العدلي. وبحسب معلومات "نداء الوطن"، خلص "حزب الله" إلى أنّ الدولة اتخذت قرارًا بالمضي في المسار القضائي الذي قد يبدأ باستدعاء عدد من نوابه ومسؤوليه الأمنيين إلى التحقيق، على أن تتوسّع الإجراءات لاحقًا لتطال الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم، وصولًا إلى احتمال توقيفه، ما يعني نهاية "حزب الله" العسكرية والسياسية، فقرّر قلب الطاولة والإطاحة بالحكومة وفرض أمر واقع عسكري على الأرض. وفي التفاصيل، فإنّ "الحزب" وضع خطّة انتشار عسكري بسلاحه من صيدا حتى بيروت، وفي البقاعين الشرقي والغربي، كما في المتن وكسروان، مع مهمّة عسكرية واضحة، وهي "خطف" وزراء من الذين صوّتوا على إحالة الجريمة إلى المجلس العدلي من منازلهم أو أماكن إقامتهم، مع أوامر واضحة باستهداف الجيش والقوى الأمنية في حال اعترض أيّ منهما عناصر "الحزب"، ومن دون تردّد. المصادر نفسها أوضحت أنّ "حزب الله" وجد نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا نهايته الحتمية على يد قرار الحكومة وإحراجه أمام بيئته وعوائل الشهداء، أو محاولة قلب الطاولة والذهاب إلى حرب داخلية مع السلطة ومحاولة شقّ الجيش اللبناني، ما يطيل عمر "الحزب" وينقل المعركة إلى مرحلة ثانية. ورأى "الحزب"، بحسب المعلومات، أنّ الكلفة العالية جدًا للحرب الداخلية تبقى أقلّ بكثير من كلفة الذهاب إلى المجلس العدلي. وقد أبلغ "الحزب" المسؤولين الأمنيين في صفوفه بضرورة تحضير العناصر، وقام بسحب أعداد كبيرة من البقاع والجنوب إلى الضاحية الجنوبية تمهيدًا لبدء تنفيذ المهمّة، وأوصل نواياه وقراره إلى رئيس الحكومة نواف سلام والمعنيين من دون المرور بـ"الأخ الأكبر"، الذي تواصل بدوره مع الرئيس سلام ناصحًا إيّاه بعدم ضرب السلم الأهلي. وبحسب معلومات "نداء الوطن"، تواصل سلام مع أحد المسؤولين الكبار في دولة صديقة للبنان، فنصحه بعدم تفجير الداخل اللبناني، لأنّ المجتمع الدولي والخليج العربي منشغلان بالملف الإيراني، ولن يكون لبنان في سلّم أولوياتهما. عندها قرّر سلام، بالتنسيق مع رئيس الجمهورية، السير بالملف في المحكمة العسكرية، مع إصرارهما على متابعة التحقيقات حتى الوصول إلى مَن قرّر كسر قرار الحكومة والاستمرار بالتسلّح، بغضّ النظر عمّا إذا كانت الشحنة معدّة للداخل أم للخارج! بعد كلّ هذه المعطيات، أجرى سلام اتصالاته بالأحزاب الممثّلة في الحكومة، طالبًا التفهّم لعدم إحالة الملف إلى المجلس العدلي، إلّا أنّ حزب "القوات اللبنانية" رفض الامتثال واعتكف. وبحسب معلومات "نداء الوطن"، فإنّ "القوات اللبنانية" لن تشارك في أيّ جلسة للحكومة، حتى ولو خُصّصت جلسة كاملة لملف الكهرباء، وشرطها الأساسي للعودة إلى المشاركة هو إحالة جريمة ضهر البيدر إلى المجلس العدلي. واعتبرت مصادر "القوات" أنّ رضوخ الدولة لتهديدات "حزب الله" سيدفع "الحزب" إلى التمادي في ارتكاباته وتهديد الدولة من جديد، جازمةً بأنّ ضرب الدولة بيد من حديد ومواجهة "حزب الله" هما الطريق الوحيد لاستعادة الهيبة وانتظام عمل المؤسسات.