لا يمكن تجاهل حجم التحديات التي تواجه الدولة (رويترز) من تصريحات النائب حسين الحاج حسن إلى خطاب المفتي أحمد قبلان، لم تعد قضية شاحنة المتفجرات التي أُوقفت في ضهر البيدر مجرد ملف أمني أو قضائي، بل تحولت إلى واجهة لمعركة أوسع يخوضها "حزب الله" منذ زمن بعيد: معركة على الرواية، وعلى شرعية مؤسسات الدولة وحقها في فرض سلطتها. بالفعل، وبعد توجيه القاضي كلود غانم الاتهام إلى 13 شخصًا على صلة بالقضية، أصدر النائب عن "حزب الله" حسين الحاج حسن، في 30 تشرين 2026، بيانًا اعتبر فيه أن الملاحقات تنتهك الميثاق الوطني والمواثيق الدولية والقوانين اللبنانية. ووصف المتهمين بأنهم كانوا يؤدون واجبًا وطنيًا في مواجهة إسرائيل وحماية سيادة لبنان، متهمًا المسار القضائي بالخضوع لإملاءات سياسية واستهداف "المقاومة". لا يقتصر مغزى هذا البيان على الدفاع عن المتهمين، بل يتجاوز القضية ليحمل رسالة سياسية وإعلامية، تشكل مثالا على الحرب الإدراكية: توظيف الخطاب والضغط السياسي للتأثير في فهم الناس للأحداث، وفي سلوك المسؤولين وقراراتهم، من دون اللجوء بالضرورة إلى القوة العسكرية. وقد تناول معهد دراسات الحرب (ISW)، في دراسة نشرها في 18 شباط 2026 بعنوان "إضعاف حزب الله يتطلب دعمًا دوليًا للبنان"، جانبًا من هذه الاستراتيجية. وأشار إلى أن هذه المنظمة تستخدم الضغط السياسي والعمليات المعلوماتية، والتهديد بالاضطرابات الداخلية والصدام الأهلي، إلى جانب الحملات الإعلامية، للتأثير في حسابات وقرارات المسؤولين اللبنانيين وتعقيد مهمة الجيش، إضافة الى إبطاء مسار حصر السلاح أو التراجع عنه، بما يضع الجيش والدولة أمام ضغوط متزايدة. وقد تجلت هذه المقاربة في قضية ضهر البيدر، أولا من خلال محاولة إعادة صياغة الرواية. فبدلا من أن ينصب السؤال على الجهة التي تملك حق نقل المتفجرات أو حيازة السلاح خارج سلطة الدولة، يصبح السؤال: كيف تجرؤ الدولة على ملاحقة "المقاومين"؟ فتتحول القضية من مسألة قانونية وأمنية تستوجب التحقيق والمحاسبة إلى مواجهة بين "المقاومة" ومعارضيها، ويُصوَّر أي إجراء قضائي أو أمني على أنه استهداف لها. والأخطر من ذلك، اتهام القضاء بالتسييس، وتصوير كل تحقيق على أنه استهداف لطائفة بعينها، وصولا إلى التشكيك في حق الدولة ذاتها في إنفاذ القانون. بالتالي، ليس ضروريًا أن تتراجع المؤسسات علنًا حتى يتحقق التأثير في القرارات. يكفي أن تتردد، أو تؤجل، أو حتى تتجنب اتخاذ القرارات التي تدخل في صلب صلاحياتها. وهنا تكمن فعالية الحرب الإدراكية: أن تدفع الدولة إلى تقييد نفسها بنفسها، وأن تجعل كلفة ممارسة سيادتها تبدو أعلى من كلفة التنازل عنها. في نهاية المطاف، تخدم هذه الضغوط هدفًا واضحًا: إبقاء السلاح والقرار العسكري خارج السلطة الحصرية للدولة. لذلك، لا تدور المعركة حول شاحنة أو مجموعة متهمين فحسب، بل حول سؤال جوهري: هل الدولة هي المرجعية الوحيدة في الأمن والدفاع؟ من جهة أخرى، أتى خطاب المفتي قبلان الذي أدلى به في الأول من تشرين الثاني، ليشكل مكملا للتهديدات التي يعتمدها "حزب الله"، إذ استهدف التشكيك في شرعية قرارات الحكومة من خلال تصويرها كاستجابة لأجندات خارجية وتهديد لوجود وسيادة لبنان. ومن خلال هذا التأطير الإدراكي، مرة أخرى ترتفع الكلفة السياسية والاجتماعية لتنفيذ القرار، بما يعزز تردد الحكومة في المضي به من دون الحاجة إلى اللجوء المباشر إلى القوة. لكن، ما دامت استراتيجية "حزب الله" واضحة، وكذلك هدفها المتمثل في التأثير في قرارات الدولة من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، فلماذا تسمح الرئاسة والحكومة بتحول الضغط السياسي إلى أداة لتعطيل قراراتهما؟ صحيح أن الرئاسة والحكومة أعلنتا الموقف الصحيح في 2 آذار 2026، حين قرر مجلس الوزراء حظر النشاط العسكري والأمني لـ"حزب الله"، وألزمه بتسليم سلاحه. لكن المشكلة اليوم ليست غياب القرار، بل الفجوة بين إعلانه وتنفيذه. فدولة تُصدر قرارًا ثم تتراجع خوفًا من ردة الفعل، تمنح خصمها ما عجز عن انتزاعه بالقوة، ويتعلم المرهِّب أن الترهيب يجدي، وينجح في جعل الدولة تتردد في ممارسة صلاحياتها من دون أن يضطر إلى استخدام القوة، محققا هدفا أساسيا من أهداف حربه الإدراكية. في المقابل، لا يمكن تجاهل حجم التحديات التي تواجه الدولة، لكن هل تبرر هذه الظروف تقييد قدرتها على ممارسة سلطتها، أو الاستسلام لمنطق الترهيب؟ في هذا السياق، يأتي التصريح الثاني للنائب حسين الحاج حسن في الأول من تشرين الثاني، ودعوته إلى "التهدئة في الداخل"، ليشكل مؤشرًا إضافيًا إلى الاستراتيجية التي تعتمدها مجموعته. فهو يكشف أن التهديد السياسي والنفسي لا يعني بالضرورة وجود قرار بالذهاب إلى مواجهة عسكرية داخلية، بل قد يكون جزءًا من سياسة الضغط لردع الدولة عن تنفيذ قراراتها. بالتالي، إذا ك