في الصفحات التي يروي فيها باسم الجسر مرحلة 1968-1970، جملة تختصر نصف قرن من التاريخ اللبناني: قدّم المسلّحون الفلسطينيون مقاومتهم على أنّها "جيش المسلمين"، لتستغلّ "المشكلة اللبنانية الطائفية وحساسية المسلمين تجاه المسيحيين تنفيذًا لمآربها الخاصة". فأخطر ما حمله "الكفاح المسلّح" إلى لبنان لم يكن البندقية، بل الطائفية التي اختبأ خلفها. وقد أصاب هذا السلاح هدفه سريعًا. حين اصطدم المسلّحون بقوى الأمن الداخلي في ربيع 1969، لم يُقرأ الحدث اعتداءً على الدولة، بل خلافًا بين الطوائف. استقال رشيد كرامي، وانقسمت البلاد طائفيًا، ووقف شارل حلو عاجزًا عن قبول الاستقالة أو رفضها، لأنّ أيّ خطوةٍ كانت تهدّد الميثاق الوطني. تعاطفت القيادات الإسلامية مع المسلّحين، وتحدّثت عن "حملة إبادة" تستهدفهم. فبقي لبنان أشهرًا طويلة بلا حكومة، لأنّ السلاح نجح في أن يجعل من نفسه قضية طائفية، ومن كلّ اعتراض عليه عدوانًا على جماعة. وللطائفية، ككلّ سلاح، ارتدادها: فحين يُحتمى بطائفة، تُدفع الطائفة المقابلة إلى الخندق. في الكحّالة، عبرت قافلة مسلّحة بذريعة التوجّه إلى الشام، تهتف لعبد الناصر وتشتم المسيحيين، فتصدّى لها الأهالي مع الكتائب بقيادة بشير الجميّل. ثمّ خُطف بشير قرب تلّ الزعتر، فخاضت معركة تجاوزت ثمانيًا وأربعين ساعة حتى أُطلق سراحه. أمّا الحلّ، فجاء على مقاس هذا السلاح. في 3 تشرين الثاني 1969، وبرعاية عبد الناصر والجامعة العربية، وقّع قائد الجيش إميل البستاني وياسر عرفات اتفاق القاهرة، فكرّس، ببنود بقيت سرّية، حقّ الفلسطينيين في النضال "انطلاقًا من الأراضي اللبنانية". رأى فيه المسيحيون تناميًا لنفوذ غريب، ورأى فيه كثير من المسلمين انتصارًا لقضيتهم. وكانت تلك القسمة بالذات هي الربح الحقيقي للمسلّحين. حتى انتخاب سليمان فرنجيه عام 1970 على حساب الياس سركيس قُرئ بالمنطق نفسه: انتصارًا لتيار مسيحي يطالب بوقف التجاوزات، لا دولة تستعيد قرارها. لكنّ المفارقة الأقسى أنّ "جيش المسلمين" لم يحمِ المسلمين. فأوّل من دفع ثمن تحويل الجنوب منطلقًا للعمليات كانوا أهل قراه، بين الغارات الإسرائيلية وثقل المسلّحين معًا. وحين أغارت إسرائيل على مطار بيروت في 28 كانون الأول 1968 ودمّرت ثلاث عشرة طائرة مدنية، ردًّا على هجومٍ انطلق منفّذوه من لبنان، سقطت الحكومة الرباعية، ولم يُسأل المسلّحون عن شيء. وحين انفجرت الحرب في 13 نيسان 1975، لم تفرّق بين طائفةٍ استُغلّت وطائفةٍ استُهدفت. فالسلاح الذي ادّعى حماية جماعة، لم يكن يريد، كما ثبت لاحقا، إلّا إحكام السيطرة على وطن مقسوم وجعله منطلقًا "للعمل الثوري الفدائي". واليوم تستخدم إيران السلاح نفسه، بأدوات أكثر رسوخًا. فهي لم تستعر طائفة من خارجها كما فعل "الكفاح المسلّح"، بل بنت عبر "حزب الله" احتكارًا لتمثيلها من داخلها. كلّ دعوةٍ إلى حصر السلاح تُقدَّم استهدافًا للشيعة، وكلّ قرارٍ حكومي يُصوَّر كسرًا لمكوّن، فيتحوّل السؤال عن قرار الحرب والسلم إلى سؤالٍ عن موقع الطائفة في النظام، ويصمت كثيرون خشية أن يُتّهموا بالعداء لها. وقد وقّعت الدولة في واشنطن، في حزيران الماضي، اتفاقًا إطاريًا يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع السلاح، بعدما حظرت الحكومة في آذار نشاط الحزب العسكري. فوصف نعيم قاسم الاتفاق بـ"الإذلال"، ورفض في أواخر تشرين الأول نزع السلاح، فيما تفيد التقارير بأنّ "الحزب" أعاد توزيع عناصره ووحداته داخل القرى والبلدات، وأمضى ثلاثة أشهر يستعدّ لجولةٍ جديدة، وبأنّه سيقاتل إن واجهت إيران خطرًا وجوديًا. وانتهت جولة تامبا بلا اختراق. هكذا يُستدعى الجنوب والبقاع والضاحية مرّةً بعد مرّة لدفع ثمن قرارٍ يُتّخذ في طهران. تُهجَّر العائلات نفسها، وتُهدم البيوت نفسها، ويتأجّل الإعمار ما دام السلاح باقيًا، ثمّ يُقال لأهلها إنّ نزع السلاح يستهدفهم. في 1969، اختبأ "الكفاح المسلّح" خلف طائفةٍ ليست طائفته، فدفعت الطوائف كلّها الثمن. واليوم تختبئ إيران خلف طائفة لبنانية، فتدفعها إلى الصفّ الأوّل. والصواريخ قد تُسلَّم يومًا، أمّا أخطر ما في الترسانة، فلا يُنزَع إلّا حين تكفّ الطائفة عن أن تكون غطاءً لمشاريع غيرها.