قلّما يُفضي مسارٌ بدأ في الجبر الحاسوبي والخوارزميات إلى الشأن العام. لكنّ أستاذة علوم الحاسوب في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتورة فاطمة أبو سالم، قطعت هذا المسار باتجاه "الذكاء الاصطناعي المسؤول" والأثر الاجتماعي. آمنت منذ صغرها بأن المعرفة عبءٌ لا يستقيم حمله إلا بإخراجه إلى الناس.. وعندما تصدّرت علومُ البيانات، وجدت فرصتها للتوفيق بين النظري والخدمة العامة، في منطقة تكاد تخلو من باحثين ينظرون إلى مشاكلها بمنظار علمي. أبو سالم تنتمي إلى جيل نادر واكب الذكاء الاصطناعي قبل أن يصبح مرادفاً لـ«شات جي بي تي»، يوم كان استعماله مجازفة. من هنا ظهر قلق مزدوج: أن يختزله الجيل الجديد بأداة توليد نصوص وصور، وأن يتحوّل إلى سلعة مقرونة بالاحتكار وخاضعة لتغيرات "الجيو سياسية"، فيما منافعه الفعلية تتمثل في الصحة والزراعة، وحتى في التنبؤ بالتكلفة البشرية للحروب التي غالباً ما تبقى خارج الضوء. من هذا القلق وُلدت ورقتها المشتركة مع وسام سعادة، «نحو تحوّل اجتماعي وتقني ومسؤول في الذكاء الاصطناعي في لبنان» (معهد عصام فارس، 2025). تحاول الورقة البحثية معالجة فرضية أن المشاكل المجتمعية لا تُحلّ بإسقاط التكنولوجيا عليها، أو ما يُعرف بالحلول التقنية، بل بما تسميه "التشارك في التأثير"، وذلك على قاعدة: "لستُ بانتظار أن تخدمني التكنولوجيا؛ أنا أريد أن أؤثّر فيها". جاءت الورقة حين بدأ لبنان يدخل المضمار عبر «ليب» (LEAP)، وهي الاستراتيجية الوطنية التي أطلقتها وزارة الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لجعل البلد مركزاً إقليمياً. وتصف أبو سالم عملها، مكمّلاً للاستراتيجية، لا خصماً لها. وتذكّر بأن المجتمع صاحب القرار في التكنولوجيا التي توضع بمتناوله، لذلك اقترحت ضوابط تدعم الاستراتيجية وتسدّ ثغراتها. من «صحراء البيانات» إلى نماذج تعمل على الشمس تصف الورقة لبنان بـ«صحراء بيانات» لا يُحكم عليها بالديمومة. وحين تُسأل أبو سالم إن كان حديثها عن ذكاء اصطناعي يعمل على الطاقة الشمسية، وعن نماذج لغوية صغيرة، تجيب: «لا شيء أراه غير واقعي». وتطالب بـ"قدرة وطنية على الحوسبة وإدارة البيانات، إسوةً ببلدان ليست أميركا ولا الصين"؛ مضيفة أن "لبنان غني بطاقته في الداخل وبلاد الانتشار". وفي «الذكاء الاصطناعي اللا استعماري» تميّز بين تيارين: "تيار اعتراضي يرى أن النماذج صُنعت في الخارج ولا تلائمنا، وتيار تفضّله يقوم على إعادة التوجيه"، بمعنى "أخذ النماذج المستوردة وقلبها انطلاقاً من مشاكلنا". من هذه الروحية وُلدت «Urban Analytica»، وهي مبادرة للتحليلات في خدمة النشاط المدني ضمن تجمّع الباحثين الناشطين (SAIL) في الجامعة الأميركية في بيروت. تنطلق من سؤال شخصي: كيف يكون العالِم ذا جدوى في مدينة مثل بيروت؟ وجوابها أن يصير المواطن، ولو لم يعرف البرمجة، في موقع مطالبة اجتماعية وسياسية، مثل أن يسأل مرشحاً يعِد بمحاربة الفساد عن الحيّز الذي تحتله البيانات في برنامجه". هكذا تصبح التحليلات بمثابة حركة مطلبية، وتصبح جواباً على مأزق ما بعد 2019: «كان الناس يقولون: يجب ويجب ويجب. حسناً، ولكن كيف؟». الذكاء الاصطناعي في الصحافة والحرب أنشأت أبو سالم من الحربين السورية والعراقية قواعد بيانات عن الضحايا والتضليل، وتعرّف أن الصحافة في هذه المنطقة تتحمّل مسؤولية استثنائية بوصفها المصدر الأول لمعرفة الناس بما يجري من حولها. الطريق الآخر، برأيها، ما بدأته مؤسسات مثل «أمنستي» ومركز «بوليتزر»، لجهة توظيف الذكاء الاصطناعي والبيانات لا للتوليد والتلخيص، بل لدعم مشاريع استقصائية تكشف الانتهاكات، عبر فِرَقٍ تجمع صحافيين ومبرمجين، وأنظمة تلتقط من صور الأقمار الاصطناعية ما لا تراه العين. ثم يأتي الوجع: "صحافيون سقط منهم الكثير من الشهداء في غزة وجنوب لبنان من دون التمكن من تجميع ما كانوا يستقصونه، هذا فيما كان الجميع، بمن فيهم أطفال غزة، ويوثقون الأحداث بهواتفهم، وتبقى البيانات جزراً معزولة"، بسبب عدم وجود قاعدة بيانات. من هنا، تتمنى إنشاء هيئة تنظيمية تتيح الشراكة الجماعية بين الناس والصحافيين، خصوصاً أن الأطراف الأخرى في هذه الحروب توظّف الذكاء الاصطناعي بلا تردد. ترسم أبو سالم خريطة انقسامات متدرّجة. في القمة أميركا والصين، وتحتهما دول لا تنتج مخزوناً علمياً مماثلاً، لكنها جادّة في توظيف التكنولوجيا لسياساتها العامة. أما لبنان فتضعه قرب شمال أفريقيا وشرق المتوسط، فيما المكسيك والبرازيل ودول أفريقية تتقدم. تشير تلك الوقائع إلى انقسام على خط محاولات الإنتاج، قبل خط الثروة. وداخل مجتمع العارفين انقسام آخر، يتمثل بين فريق يهتم ببناء نماذج للذكاء الاصطناعي أذكى وأسرع، وفريق يسأل عن المسؤولية الأخلاقية التي تلحق بالبشرية وكيفية وضع ظوابط لحمايتها من مخاطر استخدام هذه التكنولوجيا. أما